المخرج من غلة الوقف، وعلى من يصرف
السؤال: أنا (ع م ك)، ناظرٌ على أرض وقف بها أشجار زيتون، وعندَ جَني الثمارِ أجعل منه جزءًا لنفسي، وجزْءًا لخدمةِ الوقف، وجزءًا لمصارفِ الوقف، فهل أخرجُ للوقف نفسَ المنتج، أو قيمته؟ وعلى مَن تصرف الغلّة؟ حيث لا نعلمُ إنْ كان الواقف قد عيّنَ المخرج والموقوفَ عليه.
الجواب: الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ أجرةَ الناظر على الوقف تكونُ من ريع الوقفِ بحسَب المتعارفِ عليه، قال الدسوقي رحمه الله: "ويجعل له أجرة من ريعه" [حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 88/4]، والنفقة على إصلاح البساتين المحبّسة على مجهولين تكون من غلّتها أيضا، فما فضل عن ذلك صرف فيما حبس عليه، قال اللخمي رحمه الله فيها: "إن كانت حبسًا في السبيل أو على المساكين... كانت النفقة عليها منها تُساقَى أو يُستأجَر عليها، فما فضل بعد ذلك صرف فيما حبس عليه" [التبصرة: 7/3442]، والغلة التي تصرف للمساكين يجوز أن تكون من الثمرة إذا كان في ذلك مصلحة، ويجوز أن تكون من ثمنها إذا كانت المصلحة في الثمن، وذلك إذا لم يعيّن الواقف أحد الوجهين، فقد "سُئِلَ [مَالِكٌ رحمه الله] عَنْ الرَّجُلِ يُحَبِّسُ الحْاَئِطَ صَدَقَةً عَلَى المَسَاكِينِ أَيَقْسِمُ عَلَى المَسَاكِينِ بينهم تمرًا أمْ يُبَاعُ ثُمَّ يُقْسَمُ ثَمَنُهَا بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، وَذَلِكَ إِلَى مَا قَالَ فِيهِ المُتَصَدِّقُ، أَوْ إِلَى رَأْيِ الّذِي يَلِي ذَلِكَ، وَاجْتِهَادِهِ إِنْ كَانَ المُتَصَدِّقُ لَمْ يَقُلْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، إِنْ رَأَى خَيْرًا أَنْ يَبِيعَ وَيَقْسِمَ ثَمَنَهُ وَإِنْ رَأَى خَيْرًا أَنْ يَقْسِمَ تَمْرَهُ قَسَمُوهُ تَمْرًا فَذَلِكَ يَخْتَلِفُ، وَرُبَّمَا كَانَ الحَائِطُ نَائِيًا بِالمَدِينَةِ، فَإِنْ حُمِلَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالمَسَاكِينِ حَمْلُهُ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي النَّاسِ الحَاجَةُ إِلَى الطّعَامِ فَيَكُونُ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ الثَّمَنِ فَيُقْسَمُ إِذَا كَانَ هَكَذَا فَهْوَ أَفْضَلُ وَخَيْرُ، وَهَذِهِ صَدَقَاتُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رضي الله عنه مِنْهَا مَا يُبَاعُ فَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ وَمِنْهَا مَا يُقْسَمُ تَمْرًا. قَالَ مُحَمّدُ بْنُ رُشْدٍ: هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ إِنّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ النّاظِرِ فِي ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَقُلْ المُتَصَدّقُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَإِنْ قَالَ فِيهِ شَيْئًا وَحَدَّ فِيهِ حَدًّا وَجَبَ أَنْ يُتْبَعَ قَوْلَهُ فِي صَدَقَتِهِ وَلَا يُخَالَفَ فِيهِ حَدُّهُ وبالله التوفيق" [البيان والتحصيل: 247/12]، وإذا لم يعرف مصرف الوقف -كما هو الحال في السؤال- فإنه يصرف في غالب مصارف الناس، قال الدردير رحمه الله: "(وَصُرِفَ) رَيعُهُ إنْ تَعَذَّرَ سُؤَالُ الْمُحَبِّسِ (فِي غَالِبٍ) أَيْ فِيمَا يُقْصَدُ بِالتَّحْبِيسِ عَلَيْهِ غَالِبًا فِي عُرْفِهِمْ كَأَهْلِ الْعِلْمِ، أَوْ الْقِرَاءَةِ" [الشرح الكبير:87/4].
وعليه؛ فالواجبُ على النّاظرِ أن يصرفَ غلة الحبس في وجوه البر والإحسان، والفقراءُ والمحتاجونَ أولى النّاس بذلك، ويخرجُ ما فيه المصلحة لهم من الثمرة أو ثمنها، واللهُ أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
16/ذو القعدة/1447هـ
4/ 5/ 2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16083
