حضانة الأولاد والنفقة عليهم وزيارتهم
السؤال: لي ابنة مطلقة من زوجها، ولها منه بنت عمرها تسع سنوات، وأخرى عمرها أربع سنوات، وابن عمره سنتان، ولدي أسئلة بهذا الخصوص:
أولا: مَن هو صاحب الحق في الحضانة؟ وإلى متى تستمر حضانة الأولاد؟ ومتى تؤول الحضانة للأب؟ ومتى تسقط حضانة الحاضن؟
ثانيا: هل يكون الحاضن هو المسؤول عن الأولاد في كل شؤونهم أو والدهم؟ وهل تُمْنَعُ الأم أو الحاضن بعدها من أن تقوم بأي شيء يخصّ الأولاد، فلا يدخلون المدارس أو غيرها إلا بإذنه؟
ثالثا: من الذي تجب عليه نفقة الأولاد؟ وما حدود هذه النفقة؟ وإذا كانت هناك نفقة تصرف من الحكومة - كما هي حالتنا إذ نعيش في بلاد الغرب - فهل يُعفى والدهم من النفقة؟
رابعا: بالنسبة لزيارة الأب للأولاد، من الذي يحق له التحديد فيها من حيث المكان والزمان وعدد الزيارات؛ الأم، أم القاضي؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنه كان الأجدر بالسائل أن يسأل عن حكم إقامته وإقامة أولاده الصغار وأسرته في بلاد الغرب، وما يترتب عليها من أضرار كبيرة ومفاسد، لا في السلوك والتربية والأخلاق فحسب، بل بتعريض الأولاد إلى التنصير والردة عن الإسلام، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الإقامة بين ظهراني المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم: "أَنَا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ" قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: "لا تَرَاءَى نارَاهُمَا" [أبو داود: 2645].
فمن لم تَدْعُهُ ضرورةٌ إلى الإقامة في أرضهم؛ لا يجوز له البقاء بينهم، إلا بقدر ما تدعو الحاجة إلى ذلك، من خوف على النفس في بلده، أو مدة الدراسة ونحو ذلك.
أما البقاءُ للترفه، وما يظهر لأول وهلة للمقيم بينهم، من الراحة وتحصيل كماليات العيش، وما يظنه من جودة التعليم، أو الرعاية الصحية، أو غير ذلك؛ فهذا كله لا يساوي الأضرار التي صارت هذه الأيام مُحْدِقَةً بالمسلم أشدَّ من ذي قبل، وبخاصة على الصغار الذين هم في مراحل التعليم من الذكور والإناث، هذا الذي كان ينبغي للسائل أن يحمل همّه، وَيَقُضَّ مضجعه، ويعمل كل ما وَسِعَهُ للفرار بأولاده، من خطر يُحْدِقُ بهم، قبل السؤال عن تفصيلات الحضانة.
أما فيما يتعلق بالحضانة فهي حق مشترك بين الزوجين في بيت الزوجية؛ كلٌّ مطالب بالقيام بما يناسبه من الرعاية والإصلاح، فإذا افترقا فلا يسقط حقّ الأمّ، ولو كانت ناشزًا خارج البيت، متأبية عن الرجوع إليه، أو كانت مطلقة، وهي أحق بالحضانة من غيرها، لكن يسقط حق الأم في الحضانة بزواجها من أجنبي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لامرأةٍ خاصمها مطلقها في الحضانة: (أَنتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي) [أبو داود: 2276]، ويسقط حقها أيضا بالوقوع في المفسقات الضارةِ بالدِّين، حفاظًا على الأطفال، وحماية لهم من فساد الدين؛ قال الدردير رحمه الله، في الشروط اللازم توفرها في الحاضن: "(وَالْأَمَانَةُ) أَيْ: أَمَانَةُ الْحَاضِنِ؛ وَلَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا فِي الدِّينِ، فَلَا حَضَانَةَ لِفَاسِقٍ؛ كَشِرِّيبٍ وَمُشْتَهِرٍ بِزِنًا، وَلَهْوٍ مُحَرَّمٍ" [الشرح الكبير: 2/528]، فإذا سقط حقها انتقل إلى أمها، بشرط عدم سكناها مع من سقطت حضانتها؛ قال الدردير رحمه الله: "وَكَذَا كُلُّ أُنثَى ثَبَتَتْ حَضَانَتُهَا، لَا بُدَّ أَنْ تَنْفَرِدَ بِالسُّكْنَى عَمَّن سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا" [الشرح الكبير: 2/527]، فإذا سقطت الحضانة عن الجدّة؛ لسكناها مع الأم التي سقطت حضانتها، أو لأي سبب آخر، انتقلت إلى الخالة، ثم إلى خالة الأم، ثم إلى عمة الأم؛ لأن القرابة من جهة الأم أحقُّ في الحضانة من الأب وقرابته، ثم بعد ذلك تنتقل إلى الجدة من جهة الأب، وترتيب قرابات الأب كترتيب القرابات من جهة الأم، فإذا لم توجد قرابة للأب من الإناث انتقلت الحضانة إلى الأب، وتستمر حضانة المحضون الذكر إلى البلوغ، والأنثى إلى زواجها.
وأما الولاية على القُصَّر فهي للأب، ثم من يعيِّنه الأب، قال الدردير رحمه الله: "وَالْوَلِيُّ عَلَى الصّغِيرِ: الأَبُ الرَّشِيدُ، لَا الْجَدُّ وَالأَخُ وَالْعَمُّ، إِلَّا بِإِيصَاءٍ مِنَ الأَبِ، ثُمَّ يَلِي الأبَ وَصِيُّهُ، فَوَصِيُّ الوَصِيِّ، ثُمَّ يَلِي الوَصِيَّ حَاكِمٌ، أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ" [الشرح الكبير: 3/299]، فيتولى الأبُ النفقةَ على أولاده، ويسعى في تأمين احتياجاتهم، من أكل وشرب ولباس، وما يحتاجونه من تعليم وعلاج، إذ هو المسؤول عن تربيتهم، وتعليمهم، وصيانتهم، لذلك؛ كان من حقه أن يتعاهدهم ويتابع شؤونهم، جاء في تهذيب المدونة: "وَلِلْأَبِ تَعَاهُدُ الوَلَدِ عندَ أُمِّهِمْ، وَأَدَبُهُمْ، وَبَعْثُهُمْ إِلَى الْمَكْتَبِ" [تهذيب البراذعي: 2/399]، قال الخرشي رحمه الله: "وَلِلْوَلِيِّ تَعَاهُدُ الْمَحْضُونِ وَأَدَبُهُ وَبَعْثُهُ لِلْمُعَلِّمِ، أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ أَبًا، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ لِلْأَبِ الْقِيَامَ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ" [شرح الخرشي: 4/208].
وليست النفقة الحكومية عذرًا يبيح للأب التقصير في مسؤولياته، ما دامت النفقة غير كافية، وليس للحاضنة منعُ الأب من تعاهد أولاده وزيارتهم، وتدبير شؤونهم ومتابعتهم في الدراسة وغيرها، فلكل من الطرفين حق، وعلى كل منهما مسؤولية، وليس لأحدهما أن يفتات على الآخر، ويهضم حقه، والواجب عليهما ترتيب أمر الزيارة بما لا يُجحف في حق الآخر، ولا حق الأولاد، فإن اختلفا في ذلك؛ فعليهما التحاكم إلى القضاء الشرعي، الذي يفصل وينظم الأمر بينهما، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
08//شعبان//1447هـ
27//01//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16009
