الخروج عن المذهب السائد
السؤال: لاحظتُ في بعض الفتاوى الصادرة عن دار الإفتاء الليبية، عدمَ التقيد فيها بالمذهب المالكي، وذلك عند قيام مصلحة راجحةٍ، أو لأجل درءِ مفسدة متحققة، كما في مسألة "جمعية الموظفين"، فما وجهُ عدم إعمال هذا المنهج، فتُوسَّع دائرةُ الترجيح والاجتهاد، في مسائلَ تبدو مفسدتها أشدّ تحققًا وأوسع انتشارًا في بلادنا، كمسألة طلاق الغضبان، وطلاق الثلاث في مجلس واحد، ونحوها من القضايا المتعلقة بشؤون الأسرة واستقرارها؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالذي عليه العمل في دار الإفتاء، ونص عليه قانون إنشائها؛ أن المرجعية في الفتوى تكون على المذهب السائد في البلد، وتُستثنى من ذلك بعض القضايا، التي يترتب على الالتزام بالمذهب فيها حرجٌ على عامة الناس، فيُفتَى في هذه المسائل بمذهب آخر؛ رفعًا للحرج، وتحقيقًا للمصلحة، ومن ذلك مسألة: "جمعية الموظفين"، فالخروج فيها عن المذهب هو خروج إلى مذهب من المذاهب الأربعة، لا إلى قول خارج عنها ضعيف أو مرجوح، ومنعُها في المذهب المالكي ليس مستنِدًا إلى دليل من الوحي، أو دليلٍ قوي من النظر، بل على اجتهاد مبني على التحوط وسد الذرائع، باحتمال أن تكون من القرض الذي جر نفعًا للمقرض.
وهذا يختلف عن مسألة ترك المذهب في طلاق الغضبان وطلاق الثلاث بلفظ واحد؛ فإن هاتين المسألتين يصعب الخروج فيهما عن المذهب المالكي؛ لأن ما عليه المذهب المالكي يتفق مع ما عليه عامة الفقهاء في المذاهب الأخرى وفي غيرها، والمستند فيهما ليس ضعيفًا، بل هو مستندٌ قويٌّ روايةً ودرايةً، ومثل هذا لا يُترك فيه العمل بالمذهب المالكي، الذي هو الأصل المنصوص عليه في لوائح الدار وقانونها.
فالخروج عن المذهب في فتاوى الدار ليس مطلقًا، بل مقيد باعتباراتٍ كثيرة؛ منها أهمية المسألة، وتحقق الحاجة في تقليد أحد المذاهب الأخرى، ومستند المذهب المالكي فيها، وأقوال أهل العلم الآخرين وأدلّتهم عليها، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
07// شعبان// 1447هـ
26//01//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16003
