حكم إخراج الزكاة من تركة الميت
السؤال: توفي (ع ع أ)، وانحصر ورثته -كما في حكم المحكمة المرفق- في والده (ع أ و)، وزوجته (ه م ع)، وأولاده (ع، م، ق، م، ف، ه، س)، وترك في حسابه في المصرف مبلغًا قدره: أربعمائة وثمانية عشر ألفا وثمانمائة وخمسة وستون دينارًا وخمسمائة وثمانية وسبعون درهما (418865.578 د.ل)، من ضمنه منحة الأبناء، وقدرها: ثمانية وعشرون ألفا وستمائة دينار (28600 د.ل)، والمطلوب: قسمة هذا المبلغ على الورثة المذكورين، وبيان حكم إخراج الزكاة قبل القسمة، في حال عدم علم الورثة بما إذا كان الميت يخرج الزكاة فيما مضى أو لا، علمًا أن المتوفى لم يدفع مؤخر صداق زوجته البالغ 300 جرام من الذهب، قوّمَها القاضي بمائتين وتسعة عشر ألف دينار (219000 د.ل).
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فمَن مات ولم يوص بإخراج الزكاة عن ماله، أو لم يُشهد أحدًا على بقائها في ذمته، ولم يتحقق ورثته من عدم إخراجه لها؛ فإنه يُحمل على أنه كان أخرجَها، قال الدسوقي رحمه الله: "قَوْلُهُ (ثُمَّ زَكَاةٌ لِعَيْنٍ أو غَيْرِهَا) أَيْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لِعَامٍ مَاضٍ وَفَرَّطَ فِيهَا… فَإِنْ لَمْ يُوصِ بِإِخْرَاجِ تِلْكَ الزَّكَاةِ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا وَلَمْ يُشْهِدْ بِبَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ لَمْ تُخْرَجْ مِنَ الثُّلُثِ وَلَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَخْرَجَهَا مَا لَمْ يُتَحَقَّقْ عَدَمُ إخْرَاجِهِ لها وَإِلَّا أُخْرِجَتْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ" [حاشيته على الشرح الكبير: 4/441].
وكذلك إذا كان لا يعرف بين أبنائه وورثته بأنه كان يزكي فإنه يجب عليهم قبل القسمة أن يؤدوا الزكاة عنه من تركته.
وأما فيما يتعلقُ بصَداق الزوجة، فإنه يُعَدُّ من جملة الديون التي يجب على الورثة سدادُها قبل قسمة التركة، ولا تبرأ ذمة الميت إلا بالسدادِ، أو بعفو الزوجة وتنازلها، قال بناني رحمه الله: "وَقَدْ صَرّحَ أَبُو الحَسَنِ وَغَيرُه بِأنّ دَيْنَ الصّدَاقِ كَسَائر الدّيُونِ" [حاشيته على شرح الزرقاني: 4/15]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ) [الترمذي: 1079، وقال: حديثٌ حسَنٌ].
والصداقُ إن كان ذهبًا كما هو الحال في السؤال، فللمرأةِ الحقُّ في أن تقبضَه ذهبًا؛ لأنه عينُ الدين المستحق، ولا يلزمها قَبول قيمتها نقودًا، إلا إذا رضيتْ بأخذ القيمة، وإذا رضيت بالقيمة كان لها ذلك، ويجبُ حينئذٍ أمران:
1- أن يتمّ تحديد القيمة بموافقة الطرفين؛ الزوجة وباقي الورثة، ولا يجوز تحديدها من أحدهما دون رضا الآخر؛ ولا فرضها من القاضي دون رضاهما؛ لأن شرطَ العقود التراضي، وأيّ قيمةٍ اتفقوا عليها - قليلة أو كثيرة - تمضي ولا إشكال في ذلك.
2- أن يتمّ دفع القيمة التي اتفقا عليها في مجلس الاتفاق دون تأخير؛ بحيث يتم الدفع في وقت الاتفاق قبل التفرق، لأنّ أخذ النقود عن الذهب من الصرف، الذي يجب فيه التقابض في المجلس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ…) إلى أن قال: (فَإِذَا اخْتَلَفَتِ هَذِهِ الأَصْنَافُ؛ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ) [مسلم: 1587]، وقد نقل ابن المنذر رحمه الله الإجماع على ذلك.
فلا يجوز إلزام الزوجة بأخذ قيمة الذهب نقدًا، بل لها أن تطالب به ذهبًا، أو تقبل قيمته برضاها وَفق الشرطين المتقدمين، والتقويم المذكور في السؤال لا يجوز العمل به إلا إذا تم التراضي عليه بين الزوجين وقبضت الزوجة المال بالفعل وقت الرضى؛ لأنَّ في العمل به دخولاً على عقد صرف مؤخر، وهو لا يجوز بالإجماع.
وأما فيما يتعلق بمنحة الأبناء المعطاة من الدولة، فإنها من جملة تركة الميت؛ لأنّ التصرفَ فيها يخضع لقوانين ولوائحِ الجهةِ المانحة، وقد نَصَّ القانون رقم (27) لسنة 2013 الصادرُ بشأنها من المؤتمر الوطني العام، على أنّها: "تُصرفُ لربِّ الأسرة في حالِ بقاءِ العلاقةِ الزوجيةِ."
وعليه؛ فلا يمكن قسمةُ المبلغ المذكور على الورثة إلّا بعد تسديد صداق الزوجة، وكذلك إخراج الزكاة إذا كان الميت لم يكن يعرف بإخراج الزكاة من ماله، وما بقي يقسم على الورثة ومِن ضمنِهم الزوجة، فيصحّ لها الثمنُ، وللأب السدس، وما بقي فللأولاد ذكورًا وإناثًا، للذكر مثلُ حظّ الأنثيين، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
07//شعبان//1447هـ
26//01//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16002
