أحكام متعلقة بالنكاح
السؤال: ما حكم إتيان الزوجة في الدبر، وهل كلمة ﴿أَنَّى﴾ في الآية الكريمة تدل على التخيير؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
بالإشارة إلى سؤالك المثبت نصه أعلاه؛ فالأصل أن الإسلام أباح للزوجين أن يستمتع أحدهما بالآخر كيفما شاء، وفق الضوابط الشرعية، والله تعالى يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 223]، ومن تلك الضوابط المجمع عليها من الفقهاء تحريم إتيان المرأة في فترة الحيض أو النفاس، أو إتيانها في الدبر، والله تعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [سنن الترمذي، كتاب الطهارة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض، وصححه الألباني]، وينبغي على من ارتكب هذا الإثم العظيم التوبة إلى الله تعالى، والندم على هذا الفعل المشين، والعزم على عدم العودة له أبداً، والاستغفار.
أما بالنسبة إلى تفسير قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أي محل زرعكم؛ يعني موضع الولد، وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أي أتوا محله وهو القبل أي الفرج، ﴿أَنَّى﴾ كيف ﴿شِئْتُمْ﴾ من قيام وقعود وإضجاع وإقبال وإدبار، وهذا نص على إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/83]، وقد جاء عمر، رضي الله عنه، إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ، قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِي اللَّيْلَةَ، قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَيْئًا، قَالَ: فَأُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذِهِ الآيَةُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالحَيْضَةَ» [سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب سورة البقرة، وحسنه الألباني]، وعليه؛ فالآية تدل على تحريم إتيان الزوجة من الدبر، وكلمة ﴿أَنَّى﴾ تفيد التخيير في صفة الجماع بين الزوجين وطريقته، وليس إعطاء الحرية للزوج لاختيار مكان الجماع المحرم، والله تعالى أعلم.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
المفتي: الشيخ محمد أحمد حسين
المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 298
