حكم قص الشعر في الأيام العشر من ذي الحجة
السؤال: ما حكم الأخذ من الأظفار، وقص الشعر، عند دخول أول ذي الحجة لمَن نوى الأضحية؟ وكيف يتم توزيع الأضحية؟ وما حكم صلة الرحم؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
بالإشارة إلى سؤالك الأول، فقد اختلف العلماء فيمَن أراد أن يضحي وأهلَّ عليه هلال ذي الحجة، فذهب الإمام أحمد وبعض الشافعية إلى أنّه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية، وذهب المالكية والشافعية وبعض الحنابلة إلى كراهة ذلك كراهة تنزيه، وليس بحرام، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّه يباح ذلك وهو رواية عن مالك، ونقل عن أبي حنيفة أيضًا القول بالاستحباب، وأن مَن يفعله يكره له ذلك كراهة تنزيه.
واستدلّ الذين قالوا بالتحريم والكراهة بحديث أمّ سلمة، رضي الله عنها، أنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال :« إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئًا» [صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، باب نهى من دخل عليه عشر ذى الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئًا]، فالذين قالوا بالتحريم حملوا النهي في الحديث للوجوب، وأمّا الذين قالوا بالكراهة، فحملوا النّهي على الكراهة التنزيهية، وأيّدوا قولهم أيضًا بحديث عائشة، رضي الله عنها، حيث قالت:« لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حلَّ للرجال من أهله حتى يرجع الناس» [صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء].
والذي نراه أنّ المستحب عدم الأخذ من الأظافر والشعر؛ لورود النّهي عن ذلك، والحكمة في النّهي أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار، وإذا لم يلتزم المضحي بهذا النّهي، فأخذ شيئًا من شعره أو أظفاره، فلا شيء عليه.
أمّا بالنسبة لسؤالك الثاني، فذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب أن يأكل المضحي الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، واستدلّوا بما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنّه قال:« كلوا وأطعموا وادخروا » [صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها]، وقد حمل الجمهور هذه الأوامر في هذا الحديث على الندب.
والذي نراه أنّ هذا التقسيم محمول على الاستحباب لا على الوجوب، فلو أكل أكثر من الثلث، أو أكلها كلّها فلا حرج عليه، وكذلك إن تصدق بأكثر من الثلث، فلا حرج عليه أيضًا، وإنْ كان الأفضل للمضحي أن يهدي ويتصدق من ضحيته؛ لما يترتب على ذلك من أجر عظيم، ومن تقارب الناس بعضهم من بعض.
أمّا بخصوص سؤالك الثالث، فقد دعا الإسلام إلى صلة الرحم، فقال صلى الله عليه وسلم:« إنّ الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك، قال: ثم قال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اقرءوا إن شئتم ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22] » [المستدرك للحاكم، كتاب التفسير، باب قراءات النبي، صلى الله عليه وسلم، ممّا لم يخرجاه، وقد صح سنده، وقال الذهبي: صحيح].
فندعوك إلى الإحسان إلى أقاربك، وعدم استفزازهم بالألفاظ التي يحملونها على غير محملها، وعدم الرد على إساءتهم بمثلها، لما روي عن أبي هريرة، رضي الهف عنه، أنّ رجلًا قال: يا رسول الله إنّ لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ! فقال:« لئن كنت كما قلتَ فكأنما تُسفّهم المَلّ(أي تطعمهم الجمر أو الرماد)، ولا يزال معك من الله تعالى ظهير(أي مُعين) عليهم ما دمت على ذلك» [صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها].
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
المفتي: الشيخ محمد أحمد حسين
المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 418
