Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الفلسطينية
🇵🇸المعاملات المالية

حكم مقاطعة الأب والتعامل بالربا بين الأب والابن

السؤال: أبي يعاملني بقسوة شديدة منذ الصغر، فهل مقاطعتي له حرام؟ وهل أكلي وشربي في بيته حرام؛ لأنه يتعامل بالربا؟ وقد طلبت منه مساعدتي في شراء بيت، فوافق بشرط أن ينتفع من الطابق الأول، بحيث يؤجره، ويأخذ أجرته، وأنا أسكن الطابق الثاني، ويبقى مستفيداً من إيجار الطابق الأول حتى سدادي كامل المبلغ، أي أنه يريد فائدة على القرض، وذلك بالانتفاع بإيجار الطابق الأول دون أن ينتقص ذلك من المبلغ الأصلي، فما حكم الشرع في ذلك؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛

بالإشارة إلى سؤالك المثبت نصه أعلاه، فقد حث الله سبحانه وتعالى المؤمنين على صلة الأرحام، ورغبهم فيها، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]، وفي آية أخرى جمع الله تعالى بين الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، فقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:22]، ووردت أحاديث كثيرة عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، تحث على صلة الأرحام، وترغب فيها، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رسول، الله صلى الله عليه وسلم، قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه]، وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رجلاً قال: يا رسول الله؛ إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عليهم ويجهلون عليّ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» [صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها]، وبالنسبة إلى الوالدين فيجب صلتهما وإن كانا مشركين، فعن أسماء قالتْ: «قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي، قَالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ» [صحيح البخاري، كتاب الهبة، باب الهدية من المشركين]، فأجازها النبي، صلى الله عليه وسلم، بصلة أمها مع أنها مشركة، وباقية على الشرك غير راغبة في الإسلام، والله تعالى يأمر بصلة الوالدين حتى وهما يجاهدان ابنهما ليكفر، فيقول تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا...﴾ [لقمان: 15].

أما بخصوص الأكل والشرب من بيت الوالد الذي يتعامل بالربا، فلا إثم عليك جراء ذلك؛ إذا لم يكن غالب ماله من الربا؛ ولأن الوالد هو من يتحمل إثم الربا، وأما عن حكم القرض الذي أقرضك إياه والدك، فقد ذهب جمهور العلماء على أن الربا يجري بين الوالد وولده؛ لأن ذمة الولد المالية مستقلة عن ذمة الوالد، وعليه؛ فيحرم الربا بينهما كغيرهما من الناس، فيما ذهب بعض العلماء إلى عدم جريانه بينهم، لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» [سنن ابن ماجه، كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده، وصححه الألباني]، ولكن إن تبرع الولد للوالد بأجرة الشقة الأرضية دون شرط من الوالد، فإن ذلك جائز، ويعد من باب الهبة.

وننصح السائل الكريم بأن يبتعد عن الربا، وإن كان من والده، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 268]، وأن يلتمس المسكن الحلال، فأبواب الحلال واسعة والحمد لله، وقليل حلال خير من كثير حرام، ومن ترك شيئاً يبتغي به رضا الله، عوضه الله خيراً منه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا*وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 2-3]، والله تعالى أعلم.

المفتي: الشيخ محمد أحمد حسين

المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 434