سبب تأخر الزواج وعقوق الوالدين
السؤال: أنا فتاة خطبت مرتين ولم أوفق، وعندي إحساس بأن تأخر زواجي هو بسبب عدم محبة والدتي لي، وكثرة الخلافات بيننا، فهل لهذا تفسير ديني؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
بالإشارة إلى سؤالك المثبت نصه أعلاه، فإنّ برّ الأمّ من أعظم القربات، وأوجب الواجبات؛ قال تعالى:﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان، 14]، وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» [صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة]، وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر، وهو من علامات قسوة القلوب، قال تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32]، فينبغي عليك الحرص على بر أمك، والإحسان إليها، وطاعتها، ومصاحبتها بالمعروف.
وبالنسبة إلى موضوع الزواج، فهو من الأمور المقدرة من الله تعالى على عباده، فلا تجزعي لتأخر زواجك، واحذري من كيد الشيطان حتى لا يلقي في نفسك اليأس، وثقي بأن الله قد يصرف عنك شيئاً ترغبين فيه، ويدخر لك خيراً منه، يقول الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]، وقال ابن القيم، رحمه الله تعالى: "والعبد لجهله بمصالح نفسه، وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه، لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وبين ما ادخر له، بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئاً، وبقلة الرغبة في الآجل وإن كان علياً" [الفوائد لابن القيم: 1/56].
وعليك بالمحافظة على الاستعفاف حتى يتيسر لك الزواج المشروع، والله تعالى يقول: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 33]، وننصحك بتحصين نفسك من الشيطان من خلال الالتزام الكامل بالصلاة، واللباس الشرعي، وقراءة القرآن، والأوراد، والأذكار المخصوصة قبل النوم وأطراف النهار، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 200-201]، وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 98-100]، فاستعيني بالله الذي نسأله سبحانه وتعالى أن يبعد عنك كيد الشيطان، وأن ييسر لك زوجاً يحفظ عليك دينك، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
المفتي: الشيخ محمد أحمد حسين
المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 488
