حكم المزادات الالكترونية
السؤال: ما حكم عمل موقع إلكتروني لبيع منتوجات مختلفة مثل الجوالات والكمبيوترات وغيرها، بطريقة المزاد، والمزاد العكسي، على أن تعطى العديد من الحوافز لمن يساهم في مواقع وصفحات إلكترونية معينة؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
بالإشارة إلى سؤالك المثبت نصه أعلاه؛ فإن الصورة الموصوفة في السؤال المرفق ليس فيها معنى المزاد الشرعي، وهي مخالفة لشروطه وضوابطه المعتبرة عند الفقهاء. بل إنه نوع من أنواع القمار المحرم؛ لأن المشترك إما أن يربح ويحصل على السلعة بثمن بخس، أو تفوته المزايدة فيخسر، ويضيع عليه ما دفعه من مبالغ بلا مقابل، والأمر برمته لا يخلو من التحايل والتغرير الذي يقصد منه جمع الأموال الطائلة بصورة غير مشروعة، وأكل أموال الناس بالباطل؛ لأن المشارك في المزاد يُلزم بدفع رسوم غير مستردة، وزائدة عن التكلفة الحقيقية، بعد كل عرض جديد يقدمه، كي يظفر بالسلعة التي يرغب فيها، وهذا ما يدخله في دائرة الميسر المحظور شرعاً.
ومما يؤكد ذلك أن أصحاب الفكرة يصرحون بأن أرباحهم ليست من البيع والشراء بطريق المزايدة؛ وإنما من الإعلانات والمشاركات والدعايات وزيارة الموقع، وعلى هذا فإن بيع المزاد الشرعي منتفٍ من هذه الصورة، بل إن فيها من الجهالة والمخاطرة والغرر ما يجعلها محظورة ًشرعاً. ولهذا نتوجه إلى أصحاب السؤال ناصحين بضرورة الابتعاد عن هذه المزادات وتجنبها.
أما بيع المزايدة فهو أن يعرض البائع السلعة على جمهور الناس، فيزيد في السعر من يشاء، ثم يستقر البيع على الشخص الذي يعرض أعلى سعر، والمشاركة في البيع بالمزاد على هذا النحو جائزة شرعاً، بناءً على ما جاء في قرار مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين رقم: 1/79 بتاريخ 18/3/2010م، والقرار 1/121 بتاريخ 23/10/2014م، وذلك بشروط منها:
1- أن تكون السلعة مما يباح التعامل بها شرعاً.
2- ألا يكون فيها قصد الإضرار بأحد.
3- أن يكون الشخص الذي يزيد مريداً للشراء، وإلا كان نجشاً وهو محرم.
4- أن ترد رسوم دخول المزاد إلى من لم يرسُ عليه البيع.
5- يجب احتساب هذه الرسوم كجزء من الثمن لمن فاز بالصفقة؛ لأن البيع مبادلة مال بمال، وإلا كان قماراً محرماً.
6- أن تنتفي عن البيع صفة الجهالة، والمخاطرة، والغرر.
فإذا كان ذلك المبلغ الذي يدفعه المشارك في المزاد بحدود التكلفة الفعلية لإجراء المزاد، مثل دفتر الشروط ونحو ذلك من الإجراءات، فلا يعد ذلك من قبيل الميسر، بل هو جائز شرعاً، أما إن كان المبلغ الذي يدفعه زائداً عن التكلفة الفعلية، فإنه يدخل في الميسر؛ لأنه غرم محقق يقابله غنم محتمل، وهذه حقيقة الميسر الذي نهى عنه الشارع، وهذا ما أكد عليه مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين في قراره رقم: 1/78 بتاريخ 21/1/2010م.
ولا يجوز أن تجعل هناك قيمة ثابتة للاشتراك في المزاد، سواء اشترك عن طريق الاتصال، أو ذهب بنفسه إلى مكانه؛ لأن المشترك يدفع هذه القيمة رجاء أن يشتري السلعة، سواء بقيمتها أو بأقل، ثم قد لا يحصل له هذا، فيضيع عليه ما دفع بلا مقابل، وهذا هو عين القمار والغرر، وإنما يجوز فقط أخذ أجرة مقابل ما يقدم للمشترك من خدمة فعلية في المزاد، كتقييد طلبه وإمداده بالمعلومات ونحو ذلك، ولا مانع أن تضاف هذه الأجرة على قيمة الاتصال الذي تتقاضاه شركة الاتصالات، ولكي تكون هذه المعاملة معاملة شرعية، يجب أن يقتصر ما يدفعه الراغب في دخول هذا المزاد على الثمن الفعلي للخدمات المقدمة له من شركة الاتصالات المعدة للمزاد، وننبه إلى وجوب وصف السلع المعروضة في هذا المزاد وصفاً يزيل الجهالة بها مع ثبوت الخيار للمشتري إذا جاءت بخلاف الوصف؛ وإلا لم يصح البيع، كما أنه لا يجوز لأصحاب المواقع توجيه المشترك إلى صفحات، ومواقع إلكترونية تحث على الرذيلة وتشجع عليها، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
المفتي: الشيخ محمد أحمد حسين
المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 512
