حكم التأمين على الحياة
السؤال: ما حكم التأمين على الحياة؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
بالإشارة إلى سؤالك المثبت نصه أعلاه؛ فإن التأمين على الحياة يعني أن يلتزم صاحبه بدفع مبلغ من المال -كقسط ثابت- إلى شركة التأمين التي تتعهد بمقتضاه بدفع مبلغ معين من المال عند وقوع إصابة أو كارثة، أو يدفع للورثة مبلغاً معيناً عند وفاة الطرف المؤمن، وهو من أقسام التأمين التي اختلف الفقهاء في حكمها، فقد ذهب فريق من العلماء وعلى رأسهم الدكتور الزرقا بإباحة جميع أنواع التأمين، فيما ذهب جمهور العلماء إلى اباحة التأمين إن كان إلزامياً، أما إن كان اختيارياً فيجوز التأمين التكافلي لأنه يعد باباً من أبواب المساعدة والمواساة، فلا مانع منه إن خلا من المخالفات الشرعية وعوالق الربا.
أما إن كان التأمين تجارياً فإنه لا يجوز لأنه لا يخلو من الغرر، وأكل أموال الناس بالباطل، والتعامل بالربا؛ والواجب على المسلم الابتعاد عن هذا النوع من العقود، وإن وقع فيه بجهل أو غيره، وجب عليه فسخه، ويرجع لكل طرف ما دفعه، قال تعالى في شأن الربا -وهو رأس العقود الفاسدة-: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279].
وقد نص مجلس الإفتاء الأعلى في قراره رقم: 2/10، 1/91، ومجمع الفقه الإسلامي، واللجنة الدائمة للإفتاء، وجماهير العلماء المعاصرين، على أن التأمين على الحياة مبني على أساس غير شرعي، ويشتمل على محاذير شرعية كثيرة، منها:
أولاً: أن عقد التأمين قائم على الاحتمال، فقد تقع الكارثة وقد لا تقع، لذا؛ فإنه يشتمل على غَرَر فاحش، ولأن البدل غير معلوم في وقت العقد، وقد نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن بيع الغَرَر.
ثانيًا: أن العقد يشتمل على نوع من المقامرة؛ لما فيه من مخاطرة مالية، فقد يستفيد أحد الطرفين بلا مقابل، وقد يتضرر دون خطأ ارتكبه أو تسبب فيه؛ وهذا يدخل في الميسر الذي حرَّمه الله تعالى، حيث قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة :90].
ثالثًا: وفي عقد التأمين أكل لأموال الناس بالباطل؛ لأن فيه أخذ مال الغير بلا مقابل، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء:29].
رابعاً: وفيه إلزام بما لا يلزم شرعاً؛ فإن المؤمَّن لديه لا يُحدث خطراً أو لا يقوم بأي خدمة، سوى التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر -على تقدير وقوعه- مقابل مبلغ يأخذه من المستأمن؛ فيصبح حراماً.
خامساً: أن التأمين عقد ربوي، ويظهر فيه الربا في أمور عدة، منها:
أ) أن المؤمِّن يدفع مالاً ليحصل على مال أكثر منه -في حال وقوع حادث أو كارثة- دون سلعة أو منفعة، وهذا هو عين الربا الذي هو معاوضة مال بمال وزيادة.
ب) أن شركات التأمين تستثمر أموال المؤمِّنين بالربا؛ وذلك بإقراضها للبنوك الربوية بالفوائد المجمع على تحريمها.
ج) أن شركات التأمين تأخذ فوائد ربوية على المؤمِّن في حال تأخره في السداد.
سادساً: إن عقد التأمين على الحياة هو عقد إذعان إذ يظهر سلطة الشركة وقوتها، وهي تضع شروطاً محددة، ويتم تكييف العقد حتى تكون هي المستفيد الأول منه، أما في الشريعة الإسلامية فإن إرادة الإنسان محترمة، ولا يجوز الإكراه أو الغبن.
وعليه؛ فإن التأمين على الحياة لا يجوز؛ إلا إن كان تعاونياً وخالياً من المخالفات الشرعية وعوالق الربا، أما إن كان تجارياً فلا يجوز، لما يشتمل عليه من الغرر والمقامرة؛ وهو نوع من أنواع التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، والله تعالى أعلم.
المفتي: الشيخ محمد أحمد حسين
المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 518
