حج المرأة دون محرم مع صحبة موثوقة من النساء
السؤال: هل يجوز للمرأة أن تؤدي فريضة الحج مع عصبة نساء دون وجود محرم؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
بالإشارة إلى سؤالك المثبت نصه أعلاه؛ فقد اختلف الفقهاء في المسألة على أقوال:
القول الأول: فمنهم من تمسك بظاهر بعض الأحاديث، فمنع سفرها بغير محرم، ولو كان لفريضة الحج، ولم يستثن من هذا الحكم صورة من الصور، ومن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ لإمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» [ صحيح مسلم، كتاب الحج، باب لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلاثًا إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» [ صحيح البخاري، كِتَاب تَقْصِيرِ الصَّلاةِ، باب لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم]، وذهب إلى ذلك إبراهيم النخعي، والحسن البصري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وغيرهم.
القول الثاني: ومنهم من استثنى المرأة العجوز التي لا تشتهى، كما نقل عن القاضي أبي الوليد الباجي، من المالكية.
القول الثالث: ومنهم من استثنى من ذلك ما إذا كانت المرأة مع نسوة ثقات، وذهب إلى ذلك؛ عطاء، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، بل اكتفى بعضهم بحرة مسلمة ثقة.
القول الرابع: ومنهم من اكتفى بأمن الطريق، وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
وعليه؛ فيجوز للمرأة التي تريد الذهاب لأداء فريضة الحج، ولا يوجد معها محرم؛ السفر مع مجموعة من النساء الثقات المأمونات، وذلك لأن الأطماع تنقطع باجتماعهن، وخصوصاً مع ما نشهده في أيامنا هذه من انتشار الأمان على الطرق، ومن سهولة وسائل السفر ويسرها.
والدليل على جواز سفر المرأة من غير محرم عند الأمن ووجود الثقات:
أولاً: ما رواه البخاري في صحيحه، أن عمر، رضي الله عنه، أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن، [ صحيح البخاري، كتاب أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب حج النساء]، وقد اتفق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم ينكر غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك، وهذا يعد إجماعاً.
ثانياً: ما رواه البخاري، من حديث عدي بن حاتم، رضي الله عنه، أن النبي صلىالله عليه وسلم حدثه عن مستقبل الإسلام وانتشاره، وارتفاع مناره في الأرض، فكان مما قال: عن عَدِيِّ بن حَاتِمٍ، قال: بَيْنَا أنا عِنْدَ النبي صلى الله عليه وسلم إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَشَكَا إليه الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ، فَشَكَا قَطْعَ السَّبِيلِ، فقال: « يا عَدِيُّ هل رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ قلت: لم أَرَهَا، وقد أُنْبِئْتُ عنها، قال: فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ من الْحِيرَةِ، حتى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لا تَخَافُ أَحَدًا إلا اللَّهَ» [صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام]، وهذا الخبر لا يدل على وقوع ذلك فقط، بل يدل على جوازه أيضاً، لأنه سيق في معرض المدح بامتداد ظل الإسلام وأمنه، والله تعالى أعلم.
المفتي: الشيخ محمد أحمد حسين
المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 843
