حكم التعارف بين الشباب والفتيات عن طريق الإنترنت بهدف الزواج
السؤال: ما حكم التعارف بين الشباب والفتيات عن طريق الإنترنت بهدف الزواج ؟
فإن عالم الإنترنت وما يشتمل عليه من شبكات للتواصل الاجتماعي، ومواقع إلكترونية لا حصر لها، لا يعدو كونه وسيلة أو أداة تقنية قد يفضي استخدامها إلى ما هو محرم شرعاً، وربما تفتح أبواباً يلج منها الشيطان لإثارة الفتن والفساد، والإيقاع بين المسلمين، ومعلوم وفق القاعدة الشرعية، أن ما يفضي إلى محرم فهو حرام.
وقد تستخدم هذه التقنية لتحقيق أهداف مشروعة وغايات نبيلة على المستوى الفردي أو المجتمعي كالزواج مثلاً، أو ما تقتضيه ضرورات العمل من تبادل للمعارف والخبرات بغية تطوير المهارات والقدرات الوظيفية، وبناء جسور التعاون والتنسيق في المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.
وينطبق هذا التوصيف – من غير شك- على ظاهرة التعارف بين الشباب والفتيات عبر هذه الوسائل، فربما أدى التواصل في حدوده المشروعة بينهما إلى غاياته وأهدافه المرتجاة، وهي الزواج، وربما انحرف عن مساره، فأدى بمستخدمه إلى الوقوع في مهاوي الرذيلة والمنكرات، مما حدا بكثير من العلماء والفقهاء المعاصرين، وكذلك بعض المجامع الفقهية المعتبرة إلى تحريمه، والتحذير من عواقبه، وقد حذرنا الله تعالى من مغبة الوقوع في حبائل الشيطان بقوله عز وجل: ﴿﴾ ]النور: ٢١[، والأصل في مثل هذه الحالات- كما يقول أصحاب هذا الرأي-ً أن درء الفتنة والإثارة مقدَّم على مصلحة التعارف والزواج، عملا بالقاعدة الشرعية: )درء المفاسد أولى من جلب المصالح(، ويتضح هذا من قول رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم: ]صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات[، وقوله صلى الله عليه وسلم: ]صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات.[
ومع تقديرنا لمنهج التحوّط الذي أخذ به هذا الفريق من العلماء، وحرصهم البالغ على إغلاق منافذ الفتنة والسبل التي قد تفضي إلى الرذيلة والفواحش كلها، فإن مجلس الإفتاء الأعلى يرى أن العبرة في الحكم بالجواز أو عدمه في مسألة التعارف بين الجنسين، لا تتمثل في الوسيلة المستخدمة للتواصل والمراسلة، وإنما هي في مضمون الحديث نفسه وأهدافه المبتغاة، ومن حيث التزامه بالضوابط والمعايير الشرعية أو خروجه عنها.
ً وبناء عليه، فإن المجلس يرى أن التعارف والحديث عبر شبكات الإنترنت والتواصل الاجتماعي التي تطورت تطورا هائلاً في هذا العصر، وأضحت سمة من أبرز سماته ومعالمه، وضرورة لا يستغنى عنها، بل يتعذر تجنبها، أو تحريم التعاطي معها بصورة مطلقة، غير أن إباحة استخدام هذه الوسائل للتعارف بين الجنسين والحديث بينهما، مشروطة بتقيد الطرفين بالمعايير الأخلاقية والضوابط الشرعية التي ينبغي الالتزام بها، وعدم الخروج عنها، وأهمها: ١- أن تكون هناك ضرورة أو حاجة ماسَّة لذلك، وأن يكون الهدف الأساسي من التعارف الزواج بالوسائل الشرعية المباحة، وليس لأهداف قد تنحرف به عن مقاصده الشرعية، وينبغي أن يكون الحديث بقدر هذه الحاجة، وفي حدود هذا الهدف، ولا يتجاوزهما لمسائل شخصية أخرى من شأنها إثارة الغرائز، وإيقاظ الشهوات. ٢- أن يكون التواصل بينهما في حدود الأحكام الشرعية والآداب والأخلاق الإسلامية المقررة في باب التعارف بين المرشحين للزواج، ولا يخرج عنهما، وذلك من باب الالتزام بقوله تعالى﴿ ﴾]الأحزاب: ٥٣[، فمن المحظور على الفتاة أن تصف نفسها بإسهاب، أو تعرض صورها على من يحادثها، أو تلتقيه بمعزل عن أهلها ومحارمها بأية صورة من الصور.
٣- أن لا يتَّسم الحديث بينهما بالخضوع بالقول بتليين العبارة، أو ترقيق الصوت من قبل الفتاة أو المرأة المتحدثة، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى﴿ ﴾]الأحزاب: ٣٢.[ ٤- أن يجري الحديث بينهما بمعرفة الأهل، وتحت اطلاعهم، وليس في غرف مغلقة، ولا في ظل ستار من السرية والكتمان.
ويرى المجلس أن هذه الإباحة المشروطة بالضوابط المذكورة أعلاه لا تشكل بديلاً للوسائل المشروعة، والتقاليد المألوفة للتعارف بين المرشحين للزواج، فالأولى بمن أراد تحصين نفسه بالزواج أن يطرق البيوت من أبوابها، والنظر إلى من يريد الاقتران بها النظر المأذون به شرعاً، وأن يجلس إليها في بيت أهلها، وأمام أوليائها، فإن تعذر عليه ذلك، ولم يجد وسيلة للتعرف إلى من يريد خطبتها غير الإنترنت، فليفعل وليحرص ما بً وسعه على التقيد بالضوابط الشرعية المذكورة آنفا.
أما أن يتخذ من الإنترنت وغيره من وسائل التواصل وسيلة للخوض فيما لا يليق، إرضاءً لأهوائه ونزواته، وً إ شباعا لغرائزه بذريعة البحث عن بنت الحلال، فذلك لا يجوز البتة؛ لأنه باب من أبواب الشر والفتنة والفساد، وطريق محفوف بمخاطر لا تحمد عقباها.
المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-216
