مدى مشروعية قراءة القرآن، وإلقاء درس العلم قبل صلاة الجمعة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه أجمعين وبعد،
فقد ذهب الجمهور إلى جواز إلقاء درس العلم قبل صلاة الجمعة، حيث لم يثبت فيه نهي خاص، واستدلوا على ذلك بما ثبت عن عدد من الصحابة، رض͜ي الله ع͜نهم، فدلّ على مشروعيته، روى الحاكم في المستدرك، أن أبا هريرة، رض͜ي الله عنه، " كان يخرج يوم الجمعة، فيقبض رمانتي المنبر قائماً، ويقول: حدثنا أبو القاسم، رسول الله، الصادق المصدوق، ص͜لى الله عليه وسلم، فلا يزال يحدث، حتى إذا سمع فتح باب المقصورة لخروج الإمام للصلاة جلس]"المستدرك على الصحيحين: كتاب معرفة الصحابة. ذكر أبي هريرة رضي الله عنه ، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح[، وعن أبي الزّاهرية قال" :كنت مع عبد الله بن بشر يوم الجمعة، فما زال يحدثني حتى خرج الإمام" ]صحيح ابن خزيمة، كتاب الجمعة، باب النهي عن تخطي الناس يوم الجمعة والإمام يخطب، قال الأعظمي محقق الكتاب: إسناده صحيح[، وعن معاوية بن قُرّة قال":أدركت ثلاثين من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، من مزينة، ليس فيهم إلا من طَعن أو طُعن، أو ضَرب أو ضُرب، مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا كان يوم الجمعة، اغتسلوا، ولبسوا من صالح ثيابهم، وشموا من طيب نسائهم، ثم أتوا المسجد، وصلوا ركعتين، ثم جلسوا يبثون العلم والسنة، حتى يخرج الإمام" ]تاريخ ابن عساكر: ج9 ص269، تهذيب الكمال: ج28 ص213، والذهبي في" سير أعلام النبلاء ) " 145/5 ( وهذا إسناد حسن[، وعن السائب بن يزيد قال: أول من قصّ تميم الداري، رضي الله عنه، استأذن عمر أن يقص على الناس قائماً، فأذن له" ]مسند أحمد، مسند المكيين، حديث السائب بن يزيد، وفي سنده بقية بن الوليد كان يدلس، إلا أنه صرح بالسماع، وانظر: دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب: ج2 ص876[، وذكر الذهبي رواية أخرى عن السائب بن يزيد، أن تميماً استأذن عمر في القصص سنين، ويأبى عليه، فلما كثر عليه، قال: ما تقول؟ قال: اقرأ عليهم القرآن، وآمرهم بالخير، وأنهاهم عن الشر، قال عمر: ذاك الربح، ثم قال: عظ قبل أن أخرج للجمعة"، فكان يفعل ذلك، فلما كان عثمان استزاده، فزاده يوماً آخر" ]سير أعلام النبلاء: ج4 ص77.[
وذهب بعض العلماء؛ إلى كراهية ذلك؛ منهم البغوي في شرح السنة، والرازي في تفسيره، والشيخ الألباني، وابن عثيمين، وذلك للنهي النبوي الوارد عن التحلّق يوم الجمعة قبل الصلاة، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، »أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة« ]سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وحسنه الألباني.[
ورد الجمهور بأن الحديث إن سلم من الضعف؛ فإنه ينصرف إلى التحلّق حلقاً تشوّش على المصلين، روى البخاري في صحيحه عن أبي وائل، قال" :كان عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أنُملكم،أ وإني أتخولكم بالموعظة، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بها مخافة السآمة علينا]"صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة[، فإذا لم يجد
العالم يوماً في الأسبوع، كما وجد عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، ودعت الحاجة إلى مثل هذه الدروس، و ظهرت مصلحة من ذلك، وتحققت الفائدة من ورائها، فلا حرج من إلقائها، مع تنبيه الناس إلى أن ذلك لا صلة له بالجمعة ؛ حتى لا يعتقدوا أنها من سنن يوم الجمعة، أو مستحباتها.
أما تلاوة القرآن الكريم قبل صلاة الجمعة؛ فإن قراءة القرآن مندوب إليها، وهي تذكر المسلمين بآيات الذكر الحكيم، والندب إليها مطلق لا تقييد فيه.
وبناء على ما سبق فإن مجلس الإفتاء الأعلى يرى أن درس الجمعة درس مشروع، تضافرت الأدلة على مشروعيته، مع التنبيه أن الدرس ليس من شعائر الجمعة، ويرى المجلس أن تلاوة القرآن الكريم فيها تذكير، ومنفعة، وخير للمستمعين، والتالين.
والله تعالى أعلم
المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-222
