حكم ختم الأذان بالصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، من قبل المؤذن بصوت مرتفع
❖ حكم ختم الأذان بالصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، من قبل المؤذن بصوت مرتفع ❖ السؤال: ما حكم ختم الأذان بالصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، من قبل المؤذن بصوت مرتفع؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وآله وصحبه أجمعين، وبعد،
فإن الصلاة على نبينا المصطفى، صلى الله عليه وسلم، قُرب وعِبادة فضائلها لا تحصى، وشواهدها كثيرة في كتاب الله تعالى، وسن نبيه، صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله تعالى :َّ اللَََّّ ﴿ِ إن وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، ومنها قول رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم: «ً مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرا » [ صحيح مسلم، كتاب الصلاة،ِْبَابُ الْقَوْلِ مِثْلَ قَوْلِ الْمُؤَذِنِ لِمَن سَمِعَهُ، ثُمَّ يُصَلِي عَلَى النَّبِي،َ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم،ََ ثُمَّ يَسْأَلُ لهُ الْوَسِيل ].
فلا خلاف - إذن - على أهمي هذه الصلاة، واستحبابها والحثِ عليها، ولا خلاف حول جوازها إن خَتَم بها المؤذِنُ الأذانَ سرَّا ولم يجهر بها، وإنما تباينت آراء العلماء حول حكم ختم الأذان بها بصوت مرتفع من طرف المؤذن، وتفاوتت أقوالهم في ذلك، بين الإجازة والتحريم، وذلك على النحو الآتي:
القول الأول: عدَّها بعض علماء السلف، وبعض العلماء المعاصرين بدع مستحدث ، لم يكن للمسلمين بها عهدٌ أيام الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين وصحابته والتابعين من بعدهم، فالأذان – كما قالوا – عبادة مدارها الإتباع والاقتداء، لا الابتداع والإحداث، وقد حذر رسولنا الكريم من الابتداع فيها، فعن أم المؤمنين عائش ، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «منْ أحْدَثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ فيه فهو رد» [ صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود]؛ أي مردود على فاعله لبطلانه، وعدم الاعتداد به.
كما احتج المعارضون من أن الجهر بالصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، بعد الأذان، والمداوم على هذه الزيادة من طرف المؤذنين، ربما تُفسر بمضي الأيام على أنها جزء لا يتجزأ من الأذان، ومعلوم أن النص الشرعي ألفاظه توقيفي ، لا تُغيَّر، ولا يضاف إليها مهما كانت المسوغات مشروع وأخلاقي ، فلا يكفي أن نعول على المستحبَّات لتغيير الثابت من النصوص.
القول الثاني: ذهب كثير من علمائنا المعاصرين، وبعض دور الإفتاء، ومؤسسات الفقه في الدول العربي والإسلامي ، أن الجهر بالصلاة على المصطفى، صلى الله عليه وسلم، جائز ومستحب، أو كما في قول الحنفي والمالكي : بدع حسن ، محتجين بقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «إُِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُول،ً ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَة،ََّ صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُم ِ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلََ، فَإِنَّهَا مَنْزِلٌَ فِي الْجَنَِّ، لاَ تنْبَغِي إِلاَّ لُعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلََ حَلَّتْ لَه الشَّفَاعَُ» [ صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل له الوسيل ]. وفي تعقيبهم على الحديث، يرى هؤلاء العلماء أن قوله، صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا» جاء بصيغ الأمر والجمع؛ أي أنه عام، يشمل المؤذن والسامع على حد سواء، وليس قاصراً على السامعين فحسب.
ويرى مجلس الإفتاء الأعلى أن المسأل في مجملها فرعي ، لا تستوجب إثارة الفتن والخلاف بين المسلمين، فهناك من البدع والمنكرات ما هو أولى بالتناصر على إنكاره، والتشديد عليه، ولا شك في أن ما عرضه الفريقان من أدل الترجيح النقلي والعقلي ، لا يخلو
من الوجاه ، ففي الأمر متسع، فمن شاء فعل، ومن شاء أحجم، شريط الالتزام بالمعيار الذي أرشدنا إليه رسولنا القدوة، صلى الله عليه وسلم،ُ في قوله:َّ«مَنْ سَنَّ فِي الإِْسْلاَمِ سُنًَّ حَسَنًَ، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقِْ صَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَن فِي الإسْلاَمِ سُن ،ًَ سَيِئًَّ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» [ صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدق ولو بشق تمرة، أو كلم طيب وأنها حجاب من النار].
وبناء عليه، فإن المجلس يرى أنه من غير الجائز أن يُتَّهمَ من ذهبوا مذهب الجواز، ومن جهروا بالصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، بعد الأذان بأنهم مبتدعون؛ لأن البدع ضلال ، والضلال تودي إلى النار، وحاشا لله أن يَدْخلَ النارَ من صلَّى على نبيه المختار، صلى الله عليه وسلم.
ومع ذلك، فإن المجيزين للصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، لمصلحٍ راجح أو لحاج معتبرة، وكذلك الراغبين من المؤذنين في الجهر بها بعد الأذان، مطالبون – من باب التحوط – أن يفصلوا ببن ألفاظ الأذان، وبين الصلاة والتسليم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسكت خفيف ، تشعر السامع، بأن هناك فرقاً بينهما، حتى لا يتوهم أحد أن الصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، جزء من الأذان، والتقنيات الحديث الخاص بالأذان الموحد كفيل بإظهار الفرق بينهما، وبخاص ما تعلق بنبرة الصوت، إذ تتيح للمؤذن أن يقيم صلاته على النبي،ً صلى الله عليه وسلم، ودعاءه له بصوت خفيض، وبنبرة أقل ارتفاعا مما نطق به في إقام الأذان. فإذا التزم المؤذنون بهذه الضوابط فلا مانع من الجهر بالصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، بعد الأذان.
والله يقولالحق وهو يهدي السبيل
المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-323
