حكم استخدام أدوات الذكاء الصناعي في إعداد الأبحاث العلمية
❖ السؤال: ما حكم استخدام أدوات الذكاء الصناعي في إعداد الأبحاث العلمية ؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد،
فإن الذكاء الاصطناعي فرع من فروع علم الحاسوب، يتضمن عديدًا من البرامج التي تحاكي الذكاء البشري، ويمكن من خلال استخدام الخوارزميات والعمليات المعقدة التي تزود أدوات الذكاء الاصطناعي حل المشكلات وفهم الرموز واللغات ومعرفة أوجه الاختلاف والتشابه وإدراك الكثير من الأمور، ومما يميز أدوات الذكاء الاصطناعي ويعد من سماته القدرة على اتخاذ القرار تلقائيًا وإنتاج كميات هائلة من المعلومات في زمن قياسي، وهو وسيلة لدعم الذكاء البشري، وتقديم رؤى لتحسين الأداء والعملية الإنتاجية في المجالات المختلفة وحل المشكلات العديدة، والقدرة على الاستجابة للمواقف والظروف المتغيرة، والتعامل معها سواء كانت صعبة أم معقدة.
ويعد المجال التعليمي من الميادين الخصبة التي يمكن أن يستخدم فيها الذكاء الاصطناعي لتقديم المساعدة للطلاب والباحثين والمعلمين في الحصول على المعلومات، والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالمواد الدراسية، وحل المعادلات الرياضية وتلخيص الأوراق البحثية وإعداد الدراسات والأبحاث العلمية وتأليف المقالات وإعداد الخطط البحثية والدراسية، والاستدلال على المصادر التي يحتاجها الباحث في أي موضوع.
وأدوات الذكاء الاصطناعي تحقق مجموعة من المصالح، أبرزها تسهيل الحصول على المعرفة بزمن قياسي، وتقديم الحلول لكثير من المشكلات، فضلاً عن أن التقدم المذهل فيها يدل على بديع صنع الله في تكريم بني آدم بالعقل الذي يشكل انجازاً استطاع الإنسان من خلاله الوصول إلى هذه الاختراعات الذكية التي تحاكي عمل الدماغ البشري.
إلا أن لأدوات الذكاء الاصطناعي مفاسد وسلبيات وعيوباً يتوقع الباحثون من استخدامها نتائج سلبية وتخوفات خطرة، منها أنها تقلل الإبداع الفكري، وتضعف القدرة على التفكير، وتؤدي إلى القضاء على المهارات، والحصول على المعلومات من تلك الأدوات، بدل التوجه إلى مراكز الأبحاث، وهذا قد يؤدي إلى مزاولة التخصص في الحياة العملية دون الكفاءة العقلية المطلوبة، مما يؤدي إلى الانحطاط والتردي في جودة الخدمات المقدمة للمجتمع.
كما أنها قد تؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة، فضلاً عن تقديم معلومات غير موضوعية بل متحيزة للجهة المقدمة للمعلومات.
وفيما يتعلق بالحكم الشرعي في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد الأبحاث العلمية بشكل خاص والمجال التعليمي بشكل عام، فإن المستخدم لها لا يتعدى في طريقة استخدامه إحدى الصور الآتية:
الأولى: الاعتماد عليها بشكل مطلق ونسبة الباحث لنفسه مالا يعلم، وتقديم البحث المأخوذ بشكل كامل من خلال تلك الأدوات إلى الأستاذ أو المؤسسة التعليمية على أنه من جهده وعمله لاجتياز مرحلة أو درجة علمية، وهذا َ يعد سرقة علمية وخيانة للأمانة العلمية وغشاً للباحث ولأمته، وقد دل على تحريم هذا الفعل قوله تعالى:َّ﴿لا تَحْسَبَ ن ِالَّذِينَ يٌ فْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَاب وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ [آل عمران: 188[، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المُتَشَبِعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» [صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب المتشبع بما لم ينل].
وهذا الفعل من الكذب والتزوير والغش، كما أن له آثاراً سلبية على الطالب، وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الخامس 1409ه-1988م تحريم الاعتداء على الحقوق المادية والمعنوية للغير، وأن حقوق التأليف والاختراع والابتكار مصونة شرعاً ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها، وهو ما أكده قرار مجلس الإفتاء الأعلى 120/1 بتاريخ 18/9/2014 ، حول حكم الشرع في مساعدة شخص أو مركز ثقافي لطلاب الجامعات في عمل بحوث دراسية باسمهم.
الثانية: الاعتماد عليها بشكل جزئي دون مراعاة التحقق من المعلومات المتحصلة؛ لثقة الطالب وتسليمه بمثل هذه البرامج مع جهله بما فيها وعدم معرفته الصحيحة لطريقة توجيه السؤال بالصيغة التي تنتج عنها إجابات دقيقة، فهذا واهم كذب على نفسه ودخل في اقتفاء ما ليس له به علم، واللهَّتعالى يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِن السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: 36.]
الثالثة: الاعتماد عليها بشكل جزئي مع مراعاة التحقق من المعلومات، مثل استخدامها للتعرف على المصادر والمراجع، فهذا يدخل في الاستخدام النافع، ويتوافق مع توجهات الشريعة الإسلامية في الحث على العلم والتعلم واستثمار الموارد والطاقات التي سخرها الله لخلقه من أجل عمارة الأرض، ويفهم من قرار مجلس الإفتاء المشار إليه أعلاه جواز ذلك، ويترتب عليه عدم إغفال ما في أدوات الذكاء الاصطناعي من نعمة التسهيل والتيسير في الحصول على المادة العلمية وبسرعة كبيرة، والشكر لله القائل: ﴿عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ]العلق: 5َ [ والقائل سبحانه: ﴿وَآتَاكُمْ ٌ مِنْ كُلِ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللََِّّ لا تُحْصُوها إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار﴾ ]إبراهيم: 34.[
فيشترط لجواز هذا الاستخدام مراعاة الضوابط والشروط الآتية:
1. مراجعة النتائج التي تم الحصول عليها وتدقيقها، والتأكد من صحتها وعدم أخذها بشكل مسلم دون بحث وتحقق.
2. تعلم طريقة الاستخدام الصحيحة، مع الرجوع لأهل الاختصاص والجهات المشرفة على البحث عند الاستشكال.
3. الصدق والأمانة في عزو المعلومات إلى أدوات الذكاء الاصطناعي.
4. أن يكون الباعث على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوسع والتنوع في المراجع والإسهام في إثراء البحث بنتائج أكثر دقة.
5. عدم الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في صياغة النصوص وضرورة إظهار شخصية الباحث وأسلوبه.
6. الحذر من الأفكار الموجهة ضد الإسلام والمحتوى المتحكم فيه بما يعارض موضوعية البحث العلمي. وبناءً على ذلك فإن مجلس الإفتاء الأعلى يرى أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تسهم في البحث العلمي بشكل إيجابي، ولا يصح الوقوف منها موقفاً سلبيًا بالرفض المطلق أو القبول المطلق، ومشروعيتها مشروطة باتفاقها مع أبجديات البحث العلمي والأمانة العلمية
والله تعالىيقول الحق وهو يهدي السبيل.
المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-454
