حكم شركة المضاربة إذا مات أحد الشريكين
حكم شركة المضاربة إذا مات أحد الشريكي،
وهل يقوم الورثة مقام الشريك المتوف؟
❖ السؤال: هل تبقى شركة المضاربة إذا مات أحد الشريكين؟ وهل يقوم الورثة مقام الشريك المتوفى؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
فعقد المضاربة -أو القَرَاض- هو أن يتفق شخصان على إنشاء شركة بينهما يكون المال من أحدهما، والعمل على الآخر، وما رزق الله فهو بينهما على ما شرطا، والخسارة على صاحب المال، والمضاربة جائزة بإجماع الفقهاء، وقد تعامل بها الصحابة الكرام ومن بعدهم، وهي عقد يجمع بين رأس المال وذوي المهارة والخبرة التجارية، وتوزع المخاطر بشكل عادل، مما يزيد من الحركة التجارية، ويحقق الفوائد الاقتصادية للمجتمع.
والمضاربة عقد غير لازم -بإجماع الفقهاء- فإن مات أحد الشركاء، وكان مال المضاربة ناضاً (أي من نفس جنس رأس المال)، فقد انفسخ العقد، ووجب رد المال إلى أصحابه، فإن كان المال غير ناض (أي أنه عروض، وليس نقداً) فقد اختلف الفقهاء في بقائه إذا مات أحد الشركاء على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة، إلى أنَّ المضاربة تنفسخ بموت رب المال أو المضارب؛ لأنَّ المضاربة كالوكالة، أو تشتمل عليها، والوكالة تبطل بموت الموكل أو الوكيل، وتلغى الالتزامات المترتبة عليها.
القول الثاني: وذهب المالكية إلى عدم انفساخ عقد المضاربة بموت العامل أو رب المال، إذا حصل ذلك قبل نضوض رأس المال، ففي حالة موت العامل فلوارثه الأمين أن يكمل العمل على حكم مورثه، ومبرر ذلك ارتكاب أخف الضررين، وهما: ضرر الورثة بالفسخ، وضرر رب المال في إبقائه عندهم، ولا شك أنَّ ضرر الورثة بالفسخ أشد، لضياع حقهم في عمل مورثهم، فإن لم يكن وارث العامل أميناً أتى بأمين، أما إذا مات ربُّ المال (والمال غير ناض) فيبقى ورثته على قراضهم إن أرادوا ذلك، وإن أرادوا أخذ مالهم فعليهم الانتظار حتى ينض رأس المال.
ويرى مجلس الإفتاء الأعلى أنَّ الأصل انتهاء المضاربة بموت أحد الشريكين، لأن الوكالة والتوكيل كانت بينهما، ولا بقاء للوكالة بموت أحد طرفيها، بيد أنه لا مانع شرعاً ولا قانوناً من استمرار شركة المضاربة بعد موت أحد الشريكين إذا رضي ورثة المتوفى والشريك الحي بذلك، ويتعين ذلك الخيار إذا نُص عليه في عقد الشركة ابتداءً، فالشركة وإنْ كانت من العقود الجائزة، إلا أنها أيضاً عقد مستمر، فيجوز استمرارها مع ورثة المتوفى إذا اتفق طرفا المضاربة على بقائها.
وفي حالة كون المضاربة ليست ثنائية، بل مشتركة بين عدد من الأشخاص، كما في الشركات المُساهَمَة والبنوك، فالاتفاقيات القانونية المنظمة لإنشائها تبين مآل نصيب المتوفى من الشركاء، والالتزام بذلك واجب؛ لأنَّ العقد شريعة المتعاقدين فيما لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاًًً.
والله تعالىيقول الحق وهويهدي السبيل.
المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-457
