Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الفلسطينية
🇵🇸أحكام متنوعة

أحكام خاصة بالتعامل مع الشهداء في الحرب

❖ السؤال: ما الأحكام الخاصة بالتعامل مع الشهداء في الحرب عند كثرة أعدادهم وتعذر دفنهم في المقابر الرسمية؟ وهل يجب تغسيلهم وتكفينهم؟ وما الطريقة الصحيحة للتعامل مع الأشلاء، لا سيما إذا لم يعرف صاحبها؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛

• معنى الشهيد وفضله:

مصطلح الشهادة له عدة إطلاقات، أهمها عند الفقهاء ما يطلق على الصنف الأول من شهداء الدنيا والآخرة، وهو يشمل من قتل في معركة في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، سواء قتله غير المسلم أو أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سلاحه، أو سقط عن دابته في المعركة، أو وقع فيها قتيلاً ولم يعلم سبب موته، أو جرح في المعركة ومات بسبب جرحه، وقد دل على ذلك ما رواه أبو موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: «ِجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي،َ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال:ُُالرَّجُلْ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُل يُقَاتِلُ لِلذِكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللََِّّ؟ قَالَ: مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللََِّّ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيل »ََِّّاللِ [صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، 20/4 ، برقم 2810].

وقد دل الحديث على الصنف الأول: «ِْ اللََِّّ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللََِّّ هِيَ العُليَا فَهُوَ فِي سَبِيل ،» وذكر فيه الصنف الثاني وهو شهيد الدنيا، وهو من قاتل في المعركة لكن قتاله كان رياءً أو سمعة، أو لغرض من أغراض الدنيا، وهو في الظاهر شهيد، ويعامل معاملته في الدنيا، أما في الآخرة فلا يستويان.

وأما الصنف الثالث، فهو يشمل شهداء الآخرة، كالذي قتل ظلماً من غير قتال، أو مات بداء البطن، أو الطاعون،ً أو غرقا،ً أو حرقا،ً أو مسموما، أو متأثراً بجراحه بعد مغادرة المعركة، قال ابن حجر: " وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة" [فتح الباري 439 :8 ]، دل على ذلك ما رواه جابر بن عتيك، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «َُ اللََِّّ ... وَمَا تَعُدُّون الشَّهَادَةَ؟ قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللََِّّ، فَقَالَ رَسُول ،َُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ، سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللََِّّ: الْمَطْعُون َ شَهِيدٌ، وُ الْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتٌ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوت بِجُمْعٍ شَهِيد» [أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب النهي عن البكاء عن الميت، 233/1 ، وصححه الألباني في تحقيقه على مشكاة المصابيح 530 /2 ]، ومعنى «ٌوالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيد» أي في بطنها ولد [لسان العرب لابن منظور، مادة جمع، 35/8 ].

وعن سعيد بن زيد مرفوعاً قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «ُمن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد». [رواه أبو داود، السنن، كتاب السنة، باب في قتال اللصوص، 4772، قال الألباني: صحيح ].

• تغسيل الشهداء وتكفينهم:

فيما يخص الأحكام الشرعية المتعلقة بالشهداء؛ فإن من استشهد في المعركة أو في قتال غير المسلمين لا يغسلون ولا يكفنون عند جمهور العلماء، لما ورد عن عبد الله بن ثعلبة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «َزَمِلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْس ْ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي اللََِّّ إِلاَّ يَأْتِي يَوْمَ اِ لْقِيَامَةِ يَدْمَى، لَونُهُ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْك» [سنن النسائي، كتاب الجنائز، باب مواراة الشهيد في دمه، 78/4 ، برقم 2002، وصححه الألباني].

وقال النبي، صلى الله عليه وسلم، في شهداء أحد: «ْادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِم» [صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب من لم يرَ غسل الشهداء، برقم 1281 من حديث جابر، رضي الله عنه].

حتى لو قضى الشهيد جنباً، فإن جمهور العلماء مع عدم غسله، وهو الراجح من أقوال العلماء.

أما شهداء الآخرة؛ فإنهم يغسلون ويكفنون عند جمهور العلماء بلا خلاف.

• الصلاة على الشهداء:

فيما يتعلق بالصلاة؛ فقد اختلفت الأقوال والنصوص وتوجيهاتها في حكم الصلاة على من مات في قتال غير المسلم، واستدلوا بحديث عقبة بن عامر: «ِأَنَّ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيتِ». [البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد، 209/3 ، ومسلم، كتاب الجنائز، باب إثبات حوض نبينا، صلى الله عليه وسلم، وصفاته، 1795/4 .] وقالوا إن الصلاة على الميت شرعت إكرامًا له، والطاهر من الذنب لا يستغني عنها، كالنبي، صلى الله عليه وسلم، والصبي.

وقال الجمهور: لا يصلى على الشهداء؛ لحديث جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «أَنا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا» [ صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد، 1278]، ولأن الشهيد نال من الشرف بحيث لا يلائم تشفع من هو دونه.

والاختلاف على هذا النحو يسوغ الأخذ بأحد القولين، مما يعني أن الصلاة على الشهداء مشروعة، وكذلك تركها، والله أعلم.

أما الصلاة على شهداء الآخرة، فلا خلاف في فرضها عند أهل العلم.

• دفن الشهداء:

الأصل أن يدفن كل ميت - شهيد أو غيره - في قبر مستقل، هذا في حال السعة والاختيار، أما عند الاضطرار وفي الظروف السائدة من مجازر وإبادة جماعية، وحفاظاً على أرواح الأحياء؛ فلا مانع من دفن الأموات، خاصة الشهداء في قبور جماعية، حسب يسر الدفن، والأولى أن يتم دفنهم حيث قتلوا،َّ لحديث جابر بن عبد الله: « أَنَّ النَّبِي،َ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم،َ أَمَر بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى مَصَارِعِهِمْ، وَكَانُوا قَدْ نُقِلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ». [ سنن النسائي، كتاب الجنائز، باب أين يدفن الشهيد، 79/4 ، برقم 2004، وقال الألباني: صحيح]، ومعنى مصارعهم: أماكن قتلهم. فإذا تعذر دفن كل شهيد أو ميت في قبر لوحده، أو دخل على المسلمين بذلك مشقة شديدة، فيجوز الجمع بين الموتى في الدفن،ِ اللََِّّ وفق المستطاع، فعن هشام بن عامر قال: " شَكَوْنَا إِلَى رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللََِّّ، الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ؟ فَقَال رَسُولُ اللََِّّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا

َ وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ وَالثَّلاِ ثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِمُ يَا رَسُولَ اللََِّّ؟ قَالَ: قَدِمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، قَالَ: فَكَاٍ نَ أَبِي ثَالٍ ثَ ثَلاَثَة فِي قَبْرٍ وَاحِد» [ سنن النسائي، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من إعماق القبر، 80/4 ، برقم 2010، وصححه الألباني].

ويمكن لاحقاً بالتنسيق مع الجهات المسؤولة صاحبة الاختصاص وذوي المدفونين، نقل الشهداء إن كانت هناك مصلحة في ذلك، كأن يكونوا دفنوا في أرض دون إذن صاحبها، أو مدفونين على الأرصفة وفي الطرقات، وهو قول جمهور العلماء، شريطة المحافظة على كرامتهم خلال النقل، والأفضل إبقاؤهم في قبورهم، خاصة إذا كانت حيث ارتقوا.

• حكم الأشلاء:

الأشلاء إن عرف أصحابها كالرأس، أو كانت تعود لشخص واحد، وكان صاحبها قد قضى، فإن كان شهيد قتال عوملت معاملته، وإن كانت لميت أو لشهيد من شهداء الآخرة غسلت وكفنت وصلي عليها، ودفنت في قبر، وإن أمكن دفنها مع الشهيد أثناء دفنه فهذا أولى، فإن لم يعرف أصحابها؛ فالأحوط غسلها وتكفينها إن أمكن، والصلاة عليها ودفنها.

ويرى مجلس الإفتاء الأعلى أن لا يغسل الشهداء الذين يرتقون عند قتال الكفار ولا يكفنون، ولا حرج في الصلاة عليهم، والأصل أن يدفن كل منهم في قبر مستقل، وعند الاضطرار يمكن نقلهمُ بشروط شرعية من ضمنها مراعاة حفظ كرامتهم، وتعامل الأشلاء معاملة صاحبها في الأحكام المتعلقة بالتغسيل والتكفين والصلاة.

والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.

المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-463