حكم رمي جمرات أيام التشريق في ليلة واحدة
❖ السؤال: ما حكم قيام بعض الحجيج بتأخير رمي الجمرات في اليوم الأول من أيام التشريق إلى ما قبل منتصف الليل، ثم يرمون بعد منتصف الليلة نفسها عن اليوم الثاني من أيام التشريق؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
رمي الجمرات من مناسك الحج التي شرعها الله تعالى اتباعًا لسنة نبيه، صلى الله عليه وآله وسلم، واقتداءً بأبينا إبراهيم، عليه السلام، قال النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: «ِ لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِي لََ أَدْرِي لَعَلِي لََ أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِه» [ صحيح مسلم،َ كتاب الحج،ْ بَابُ اسْتِحْبَابِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا، وَبَيَانِ قوْلِهِ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُم].
والرمي من واجبات الحج عند جمهور الفقهاء، ومن تركه عامدًا فعليه دم.
والسُّنَّة الثابتة أنَّ رميَ الجِمار في أيام التشريق إنما يكون بعد الزوال، وبه قال جماهير العلماء من السلف والخلف، ونقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر في ((التمهيد)) ( 254/17 ). وابن رشد في ((بداية المجتهد)) ( 353/1 ). والنووي في ((المجمو( ))ع 239/8 ). والقرطبي في تفسيره ( 7/3 ). وابن تيمية في ((نقد مراتب الإجماع)) (ص: 293.)
َّ وذلك لأنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم،ِ حَجَّ في السَّنَة العاشرة، وأَلْزَمَ مَنْ معه بمتابعة هديه وأخذِ مناسكهم عنه، ولم يَرْم الجمراتِ الثلاثَ في أيَّام التشريق إ لََّ بعد زوال الشمس، فقَدْ أَخرجَ مسلمٌ مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله، رضي الله عنهما، قال: «ِرَمَى رَسُولُ الله، صلى الله عليه وسلم،َُ الجَمْرَة يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْس»ِ [ صحيح مسلم، كتاب الحج،ِ بَابُ بَيَان وَقْتِ اسْتِحْبَابِ الرَّمْي]، وحكمُ أفعاله، صلى الله عليه وسلم، في الحجِ الوجوبُ لتبعيَّةِ فعلِه مِنْ حيث البيانُ لمُجمَلِ قوله: «لِتَأْخُذُوْ ا مَنَاسِكَكُم » [رواه مسلم،َ كتاب الحج،ْ بَابُ اسْتِحْبَابِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا، وَبَيَانِ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وَسلَّمَ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُم]. ومن أدلة ذلك أيضا: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، إنما رمى بعد الزوال لقول عائشة: يرمي الجمرة إذا زالت الشمس[ » سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب في رمي الجمار، وصححه الألباني]، ويؤيِدُه ما أخرجه البخاريُّ مِنْ حديثِ ابنِ عمر، رضي الله عنهما« :َّ أنه سُئِل عن الجمار: متى تُرمى؟ فقال: كُنا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا» [ صحيح البخاري، كتاب الحج، باب رمي الجمار].
وروى مالكٌ في الموطَّأ عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أنه كان يقول: «َُ لََ تُرْمَى الجِمَارُ فِي الأَيَّامِ الثَّلاَثَةِ حَتَّى تَزُول الشَّمْس».
وعلى هذا فإن مجلس الإفتاء الأعلى يرى أن للرمي وقت أفضلية ووقت جواز، أما وقت الأفضلية، فهو بعد الزوال كما صرح به جماهير العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم، وأما وقت الجواز، فهو بعد فجر كل يوم من أيام التشريق، وهذا يرخص به لأصحاب الأعذار.
ويمتد وقت الرمي إلى ما قبل غروب الشمس لمن استطاع ذلك وقدر عليه، وإلى طلوع فجر اليوم الثاني من أيام التشريق لمن كان معذورا ولم يدرك وقت الأفضلية، ومن فاته الرمي في اليوم الأول يتداركه حتى مغيب شمس اليوم الرابع، وهو اليوم الثالث من أيام التشريق، كما ورد في قرار مجلس الإفتاء الأعلى رقم ( 52/1 .)
وأما قيام بعض الحجيج بتأخير رمي الجمرات في اليوم الأول من أيام التشريق إلى ما قبل منتصف الليل، ثم يرمون بعد منتصف الليلة نفسها عن اليوم الثاني من أيام التشريق؛ فهذا لَ يجزئ بالرمي وعليه الإعادة.
والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.
المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-502
