حكم دفن الموتى في الفسقية وحكم بناء طوابق فوق القبر أو الفسقية
❖ السؤال: ما حكم دفن الموتى فيما يعرف (بالفسقية)؟ وما حكم بناء طوابق متعددة للدفن فوق القبر أو الفسقية؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
فقد أجمع الفقهاء على أنَّ دفن الميت من فروض الكفاية على المسلمين، وأنَّ الأصل دفن كل ميت في قبر منفصل، إلا في حالات الضرورة كالحروب والكوارث؛ أخرج الترمذي عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِر،ِ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ الل،َ صَلَّى اللُ عَلَيْهِ وَسَلَّم،َِ يَوْم أُحُد، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللِ الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِِّ إِنْسَان شَدِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ الل،َ صَلَّى اللُ عَلَيْهِ وَسَلَّم :«احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ فِي قَبْر وَاحِد » [سنن الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من إعماق القبر، وصححه الألباني في إرواء الغليل ( 194/3 ).]
وَيُفْهَمُ من الأمر النبوي الشريف بالحفر والتعميق والتحسين أن يكون القبر بأفضل كيفية تؤدي الغرض منه؛ ألا وهو مواراة الميت في حفرة تستر جثمانه من السباع، وتكتم رائحته، وتحفظ كرامته بتسوية قعر القبر، وتوسيعه للجثمان، وإزالة التراب والقذارة والحجارة.
أما الفَسْقِيَّةُ؛ فهي في الأصل حَوْضٌ مِنَ الرُّخَامِ ونحوه يُتَّخَذُ لِتَجْمِيعِ المَاءِ وَخَزْنِهِ، ثم استُعْمِلَتْ لدفن اَ لموتى في بعض البلاد، فشاعَ إطْلاقُ لفظ "الفسْقِيَّة" للدلالة على المَدْفَنِ العَائِلِيِِّ الكَبِيرِ ونحوه.
والحكم الشرعي في اتخاذ الفَساقي مدافن للموتى هو الحظر في الأحوال العادية لمخالفته السنة النبوية، وتتراوح نصوص فقهاء المذاهب الأربعة في النهي عن ذلك ما بين الكراهة والتحريم؛ ولذا جاء في «الموسوعة الفقهية الكويتية»: «فَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الْفَسَاقِي... لِمُخَالَفَتِهَا السُّنَّةَ، وَالْكَرَاهَةُ فِيهَا مِنْ وُجُوه،َِ وَهِيَ: عَدَمُ اللَّحْدِ، وَدَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْر وَاحِد بِلاَ ضَرُورَة، وَاخْتِلاَطُ الرِِّجَال بِالنِِّسَاءِ بِلا حَاجِز، وَتَجْصِيصُهَا وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا» (246/32)
بيد أنَّ سبب اتخاذ الفَساقي مدافن في بعض البلاد هو: ضيق المقابر عن استيعاب كثرة الموتى، وصعوبة توفير مساحات كافية لمقابر جديدة؛ لذا فقد أجازت بعض الهيئات الشرعية -في حالة تعذر وجود قبر مستقل لكل ميت- الدفنَ بالفَسقية للضرورة.
أما عن حكم بناء طوابق متعددة للدفن فوق القبر أو الفسقية؛ فلمَّا كانت علة الرخصة بالدفن في الفسقية هي ضيق الأرض المتاحة، فإنه يجوز بناء القبور على شكل طوابق لاستغلال المساحة رأسياً؛ إعمالاً ل "مناط الرخصة" المتمثل في استيعاب أكبر عدد من الموتى في أقل مساحة ممكنة، مع وجوب مراعاة ألا تُرْفَعَ القبور فوق وجه الأرض، بل تكون الطوابق ً أدنى من مستوى الأرض، ويكون الطابق الأخير محاذياً لمستوى الأرض أو أعلى منه قليلا.
وعليه؛ فإنَّ مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين يُرجِّح جواز الدفن في الفساقي للضرورة، إذا لم تتوفر قبور كافية لموتى المسلمين، ويُشترط في ذلك:
• أن يوضع كل ميت في حُجيرة خاصة.
• أن يُستر بالتراب.
• أن لا ترفع الفسقية عن وجه الأرض بما يزيد عن شبر.
• أن يُحكم الإغلاق على الميت؛ حتى لا تخرج رائحته، ولا تتمكن السباع من نبش القبر.
والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.
المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-501
