Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الفلسطينية
🇵🇸العقيدة

حقيقة السحر وحكم المتعاملين به

السؤال: ما حقيقة السحر، وما حكم المتعاملين به، حيث توجد امرأة تتعرض إلى ظهور تشققات على جسدها وكأنها حروف أسماء تظن أنهم يعملون لها سحراً، وأنها تقوم من النوم ووجهها ملطخ بالدم، وتتهم أناساً بذلك،وهذا سيؤدي إلى خلاف عائلي لا تُحمد عقباه. نرجوا توجيهنا لعمل ما يوقف الأعمال السحرية، والخلافات العائلية؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛

يطلق السحر في لغة العرب على كل شيء خفي سببه، ولطف، ودقّ ، كما يوصف البيان بالسحر، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ ‏لَسِحْرًا ‏أَوْ إِنَّ بَعْضَ ‏ ‏الْبَيَانِ ‏لَسِحْرٌ)(سنن أبي داود ، كتاب الأدب ، باب ما جاء في المتشدق في الكلام).وذلك لأنه يروق للسامعين، ويستميل قلوبهم، ويغلب على نفوسهم. وفي اصطلاح العلماء: عرفه ابن قدامة بقوله:( هو عقد ورقى، وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه، أو عقله، من غير مباشرة له، وله حقيقة ، فمنه ما يقتل وما يمرض، وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه من وطئها، ومنه ما يفرّق بين المرء وزوجه، وما يبغض أحدهما إلى الآخر، أو يؤلف بالحب بين اثنين) (المغني ،ابن قدامة ج10،104). وقال القرافي في فروقه:( السحر له حقيقة ، وقد يموت المسحور أو يتغير طبعه وعاداته، وإن لم يباشره ) وقال به الشافعي وابن حنبل،وقالت الحنفية : (إن وصل إلى بدنه كالدخان ونحوه، جاز أن يؤثر وإلا فلا) ؛ وقال الشيرازي من الشافعية: (وللسحر حقيقة، وله تأثير في إيلام الجسم وإتلافه) (149،4).

وعامة أهل السنة والجماعة يذهبون إلى القول بأن للسحر حقيقة، أما الذين خالفوا ففئة قليلة، منهم أبو بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم الظاهري.

واستدل الجمهور على أن السحر متحقق الوقوع بالأدلة من الكتاب والسنة ، فلو لم يكن موجوداً حقيقة لما ورد النهي عنه في الشرع ، والوعيد على فاعله كما جاء في الحديث : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ‏ ‏قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) ( صحيح البخاري ، كتاب الوصايا ، باب قول الله إن الذين يأكلون أموال اليتامى)، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا قاطع)(صحيح ابن حبان ، كتاب الكهانة والسحرة ) . ومن الأدلة القرآنية على حقيقة السحر قوله تعالى:{ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (البقرة: 102).فقد أخبر الحق سبحانه في هذه الآية أن الشياطين هم مصدر تعلم السحر، وأن الناس يتعلمون منهم ، وإذا لم يكن للسحر حقيقة فماذا يعلِّمون ؟ وماذا يتعلم الناس ؟ ويكفي في الدلالة على المطلوب تصريح النص القرآني بأن البعض يتعلمون السحر ليفرقوا بين المرء وزوجه ، وأنه يضرّ الناس إذا نفذت مشيئة الله،يقول تعالى:{وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ}(البقرة:102). ويعتبر أهل السنة أن الاستثناء في الآية يدل على إمكانية وقوع المستثنى، وبإذنه هنا يعني بحكمه، وقضائه،وقدره، لا بأمره ، لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء والموبقات ، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(النحل:90) . واستدل أهل السنة على ثبوت حقيقة السحر ، من الحديث الذي روته السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت : سحر رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يهودي من يهود بني زريق يقال له : لبيد بن الأعصم ، قالت : حتى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال :{ يَا‏عَائِشَةُ ‏‏أَشَعَرْتِ ‏ ‏أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ أَتَانِي ‏ ‏رَجُلَانِ ‏ ‏فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ فَقَالَ ‏ ‏مَطْبُوبٌ ‏ ‏قَالَ مَنْ طَبَّهُ قَالَ ‏ ‏لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ‏ ‏قَالَ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَالَ فِي مُشْطٍ ‏ ‏وَمُشَاطَةٍ ‏ ‏وَجُفِّ ‏ ‏طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ قَالَ وَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي ‏بِئْرِ ذَرْوَانَ ‏ ‏فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فِي ‏ ‏نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ‏ ‏فَجَاءَ فَقَالَ يَا ‏ ‏عَائِشَةُ ‏ ‏كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ أَوْ كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ قَالَ قَدْ عَافَانِي اللَّهُ فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ }(صحيح البخاري ، كتاب الطب ، باب السحر). وفي رواية :" أرسل النبي إلى البئر علياً والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء البئر،كأنه نقاعة الحناء ، ثم رفعوا الصخر وأخرجوا الجفّ، فإذا فيه مشاطة رأسه، وأسنان من مشطه ، وإذا فيه وتَر معقود فيه اثنا عشر عقدة، مغروزة بالإبرة ، فأنزل الله سبحانه المعوذتين ؛ فجعل كلما قرأ آية انحلّت عقدة ؟ ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفَّة حين انحلّت آخر عقدة فقام كأنما نشط من عُقال ، وجعل جبريل يقول للنبي : (بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين أو حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك) (سنن ابن ماجة، كتاب الطب، باب ما عوذ به النبي وما عوذ به).

حكم السحر : والسحر من المحرمات الكفرية،كما قال الله عز وجل في شأن الملكين في سورة البقرة:{...وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } (البقرة: 102) .

فدلت هذه الآيات الكريمة على أن السحر كفر، وأن السحرة يفرقون بين المرء وزوجه. كما دلت على أن السحر ليس بمؤثر لذاته نفعاً ولا ضراً، وإنما يؤثر بإذن الله الكوني القدري، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخير والشر. والساحر كافر في مذهب الإمـام أحمـد وطائفة من السلف ، وهو قــاتل متخف مستتر لا يعرفه الناس ، فإن عرف قتل.

أما رأي الإمام مالك رحمه الله فكان واضحاً وحازماً فقال :( الساحر كافر، يقتل بالسحر، ولا يستتاب، ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله كالزنديق )(فتح الباري 21،355) . كما دلت الآية الكريمة على أن الذين يتعلمون السحر إنما يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، وأنه ليس لهم عند الله من خلاق(1) ، وهذا وعيد عظيم يدل على شدة خسارتهم في الدنيا والآخرة، وأنهم باعوا أنفسهم بأبخس الأثمان، ولهذا ذمهم الله سبحانه وتعالى على ذلك بقوله: { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } والشراء هنا بمعنى البيع .

والساحر لا يكون ساحراً إلا بعد خضوعه للشيطان ، ولكي يكون من خدمه وأعوانه، وبالمقابل يقوم الشيطان بتقديم الخدمات له، وتسخير بعض الجن له، ليقوم بعمل السحر، لا بد من أن يكفر بالله العظيم، وأعطي مثالاً على ذلك ما ذكره محمد جعفر في كتابه (السحر)ص86:"أن أهم ما يحرص عليه الساحر عند مزاولته السحر أن يلبس حذاء مكتوباً على مقدمته وجوانبه اسم الجلالة، إرضاءً للشيطان والعياذ بالله. والساحر يبيع نفسه في حياته وبعد مماته أي يموت على الكفر ويبيع كل ما يملكه للشيطان. ويدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }(البقرة:102)، ومتى باع المرء نفسه للشيطان فلا بد أن يتخلى عن كل الأخلاق الفاضلة والأعمال الحميدة ، ولذلك تجدهم لا يتورعون عن أعمال الاغتصاب والسرقة والقتل في بعض الحالات، ويجتهد السحرة في احتفالاتهم في جمع فضلات الطعام من أوعية القمامة، أو من الحارات والأزقة، والمخدرات ودماء الحيوانات والطيور.

الطريقة الشرعية لاتقاء السحر:

أهم ما يتقى به خطر السحر قبل وقوعه وأنفعه هو: التحصن بالأذكار الشرعية ، والدعوات، والتعوذات المأثورة، ومن ذلك قراءة آية الكرسي عقب كل صلاة مكتوبة، مع الأذكار المشروعة بعد السلام، ومن ذلك قراءتها عند النوم، وآية الكرسي هي أعظم آية في القرآن الكريم، وهي قوله سبحانه: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}(البقرة: 255). ومن ذلك قراءة سورة الإخلاص: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ...} (الإخلاص:4-1)، وسورة الفلق {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ...}(الفلق:1-5) ، وسورة الناس {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ...}(الناس:1-6)، وذلك عقب كل صلاة مكتوبة، وتكرار قراءة هذه السور الثلاث ثلاث مرات في أول النهار بعد صلاة الفجر، وفي أول الليل، بعد صلاة المغرب، وعند النوم، ومن ذلك قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة، في أول الليل وهما قوله تعالى:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة:285). وقوله تعالى : {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ...}(البقرة:286). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (‏وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ ‏ ‏يَحْثُو ‏مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ ‏ ‏آيَةَ الْكُرْسِيِّ ‏ ‏لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ)(صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق ، باب صفة إبليس وجنوده) ، وصح عنه أيضا أنه قال:{مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ ‏ ‏الْبَقَرَةِ ‏ ‏فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ } (صحيح البخاري ، كتاب فضائل القرآن ، باب فضل سورة البقرة) والمعنى والله أعلم: كفتاه من كل سوء.

ومن ذلك: الإكثار من التعوذ بـ"كلمات الله التامات من شر ما خلق" في الليل والنهار، وعند نزول أي منزل في البناء، أو الصحراء، أو الجو، أو البحر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم :

{ ‏إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ ‏ ‏التَّامَّاتِ ‏ ‏مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ }( صحيح مسلم ، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره) ومن ذلك أن يقول المسلم في أول النهار، وأول الليل، ثلاث مرات : "بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم "(ابن حجر العسقلاني) لصحة الترغيب في ذلك عن رسول الله ، وأن ذلك سبب للسلامة من كل سوء. وهذه الأذكار والتعوذات من أعظم الأسباب في اتقاء شر السحر،وغيره من الشرور، لمن حافظ عليها بصدق، وإيمان، وثقة بالله، واعتماد عليه، وانشراح صدر لما دلت عليه، وهي أيضا من أعظم سلاح لإزالة السحر بعد وقوعه، مع الإكثار من الضراعة إلى الله، وسؤاله سبحانه أن يكشف الضرر، ويزيل البأس. ومن الأدعية الثابتة عنه في علاج الأمراض من السحر وغيره، وكان يرقي بها أصحابه:( بَلَى قَالَ ‏ ‏اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ الْبَاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ ‏ ‏سَقَمًا) (صحيح البخاري ، كتاب الطب ، باب رقية النبي) يقولها ثلاثا، ومن ذلك الرقية التي رقى بها جبرائيل النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله: (باسم اللَّهِ أَرْقِيكَ ‏ ‏مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ‏ ‏حَاسِدٍ ‏اللَّهُ‏ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللَّهِ‏ ‏أَرْقِيكَ ) (صحيح مسلم ، كتاب السلام ، باب الطب والمرض والرقى)، وليكرر ذلك ثلاث مرات.

ان علاج السحر بعمل السحرة الذي هو التقرب إلى الجن بالذبح أو غيره من القربات، فهذا لا يجوز؛ لأنه من عمل الشيطان، بل من الشرك الأكبر. فالواجب الحذر من ذلك، كما لا يجوز علاجه بسؤال الكهنة والعرافين والمشعوذين، واستعمال ما يقولون، لأنهم لا يؤمنون، ولأنهم كذبة فجرة يدّعون علم الغيب، ويلبسون على الناس، وقد حذر الرسول من إتيانهم وسؤالهم وتصديقهم وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ عَنْ ‏النُّشْرَةِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}(سنن أبي داود ، كتاب الطب ، باب في النشرة). والنشرة هي حل السحر عن المسحور، ومراده بكلامه هذا النشرة التي يتعاطاها أهل الجاهلية، وهي: سؤال الساحر ليحل السحر،أو حله بسحر مثله من ساحر آخر. أما حلُّه بالرقية، والتعوذات الشرعية، والأدوية المباحة، فلا بأس بذلك كما تقدم. وقد نص على ذلك العلامة ابن القيم، والشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد رحمة الله عليهما، ونص على ذلك أيضا غيرهما من أهل العلم.

وبالنسبة لحالة المرأة المذكورة في السؤال فقد تكون من حالات السحر، وليس بالضرورة أن ما تراه من تشققات في جسدها أن يكون دالاً على أسماء للذين سحروها، فمن طبيعة الشياطين الكذب، لإيقاع الفتنة بين الأحبة، وبين الأقارب بشكل خاص، وعلى هذه المرأة الاستفادة مما ذكرناه من علاج شرعي. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

--------------------------------------------------------------------------------

(1) خلاق: حظ ونصيب.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

المفتي: الشيخ محمد أحمد حسين

المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 23