الفرق بين الخطبة والعقد والدخول
السؤال: ما الفرق بين الخطبة والعقد والدخول وماذا يترتب على ذلك من أحكام شرعية ؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
فإن الزواج بداية الحياة الأسرية، والتي هي عماد المجتمع وبناء الأمة، ومن الأمور التي تتعلق بالزواج، ما يلي:
أولاً : الخِطبة : بكسر الخاء، هي عرض زواج من راغب ، أي الخطبة طلب يد فتاة ووعد غير ملزم لأي من الخاطبين، سوى أنه لا يحق لأي شخص أن يتقدم بطلب يد الفتاة المخطوبة حتى يدع الخاطب أو يأذن، لقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ)( سنن النسائي – المجتبي - ، كتاب النكاح ، باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه) وينص قانون الأحوال الشخصية : (لا ينعقد الزواج بالخطبة، ولا بالوعد، ولا بقراءة الفاتحة، ولا بقبض أي شيء على حساب المهر، ولا بقبول الهدية) .
وعليه فإن الخطبة مجرد وعد بالزواج، لا يترتب عليها أية أحكام شرعية، لا من حيث الإرث، ولا النفقة، ولا المهر المعجل والمؤجل، ولا التوابع، ولا يجوز للخاطب أن يختلي بمفرده بمخطوبته، لأنه يحرم عليه ذلك، فهو أجنبي عنها، وهي كذلك، وخلوتهما هي خلوة أجانب عن بعضهم.
لذلك الخطبة لا تجيز للخاطب أن يصول ويجول، ويسرح ويمرح، ويزور أهل مخطوبته ويخلو بها عندهم بمجرد الوعد هذا. ولا يجوز لها أن تظهر أمامه مفاتنها، ولا أن تتبرج أمام خاطبها، ولا أن تنزع حجابها عن رأسها، ولا يجوز لمه مصافحتها.
ثانياً : العَقد : بفتح العين وضم الدال، هو صك شرعي رضائي يبيح لكل عاقد ما شرع له الله عز وجل، والعقد هو مرحلة ما بعد الخطوبة التي هي وعد بالزواج، وحال إجراء العقد بِوَلي وشاهدي عدل وعاقدين وصيغة رضائية، يرث كل من العاقدين الآخر، ويجب المهر، ويحل كل منهما للآخر، على أن يشهر ذلك ويوثقه، ولا يحق للعاقد أن يختلي بمعقودته دون إشهار وإظهار ذلك، لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة، ومخاطر اجتماعية وأسرية .فإذا حصل طلاق بعد العقد وقبل الدخول يجب نصف المهر المعجل، ونصف المهر المؤجل، ونصف التوابع، ولا عدة على المطلقة المعقود عليها، قبل الدخول.وطلاق المعقود عليها قبل الدخول أوالخلوة هو طلاق بائن بينونة صغرى، فمجرد وقوعه لا تحل المُطلقة للعاقد إلا بمهر وعقد جديدين.
وإن خلوة العاقد الشرعية بمعقودته قد ينتج عنها حمل، فإذا مات العاقد لمن ينسب هذا الحمل، وإذا تم الطلاق فمن هو والد هذا الحمل ، وما هو مصير المسلمة المعقود عليها، والتي سلمت نفسها للعاقد عليها، فإن مصيرها يكون صعباً.
فلنحافظ على بناتنا ولا نسمح للعاقد أن يخلو بمعقودته دون مرافقة ذي رحم محرم ، وإن حصلت الخلوة الشرعية وجب علينا فوراً إشهار زواجهما دون حرج أو وجل أو خجل.
ثالثاً : الدُّخول : بالدال المشددة المضمومة، وهو ما يترتب على عقد الزواج من خلوة بين الزوجين، ويكون بعد الإشهار بين الأهل والجيران، وأن يعلن فيه أن فلاناً قد زفت إليه فلانة، وهذا هو شرع الله .ويترتب على الدخول حل الاستمتاع، واستقرار الحياة الأسرية، وبداية تكوينها بمودة وألفة، قال تعالى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (الروم:20)
وبمجرد حصول الخلوة يتحقق الدخول، وتترتب عليه أحكام الزواج الصحيح، فيثبت النسب للحمل، والإرث، وكامل المهر المعجل والمؤجل والتوابع، ويحمى الأزواج بالدخول من التعرض للظن السيء بهم من قبل الناس ، وإن حصل لا سمح الله طلاق فهو طلاق يتدرج من طلاق رجعي أول، وطلاق رجعي ثانيٍ، فينقلب بانقضاء العدة إلى بائن بينونة صغرى، فطلاق بائن بينونة كبرى، وفي الطلاقين الأولين تتحقق رجعة الزوجة بالقول أو الفعل، وتمضي الزوجة عدتها في بيت الزوجية، على أمل الرجعة بخلاف الطلاق قبل الدخول أو الخلوة، فلا عدة شرعية على المطلقة قبل الدخول.
ولا بد أن نشير إلى أن المهر المؤجل هو دين في ذمة الزوج، يجب دفعه حال وفاة الزوج أو الزوجة للورثة، وكذلك يخرج المهر المؤجل من رأس التركة، كسائر الديون عن الميت، والأفضل أن يبرأ الزوج ذمته فيسلم المهر المؤجل لزوجته في حياته إن كان قادرا.وعليه لابد من التأكيد على ضرورة حماية بناتنا وأولادنا من أهوائهم وشهواتهم وغرائزهم، وعدم السماح لهم خلال فترة الخطبة بتجاوز المسموح به شرعاً، وكذلك نحذر العاقدين من الخلوة والسهر والسفر مع بعضهما دون إشهار الدخول، سائلاً العلي القدير أن يحفظنا وأنفسنا وأعراضنا إنه سميع مجيب الدعاء.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
المفتي: الشيخ محمد سعيد صلاح
المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 123
