أكل ما زرع على المقابر
السؤال: تزرع على جانب مجاري سيل خضروات وغيرها، فهل يجوز شرعا الزراعة على المياه النجسة؟ وما حكم الأكل منها ؟ وما حكم الشرع في أكل الثمر النابت على القبور؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
فقد أحل الله سبحانه وتعالى الطيبات، وحرم الخبائث، فقال في كتابه الكريم {...وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ...}(الأعراف:157) والخبيث فيه الضرر والأذى للإنسان، ونظر الفقهاء إلى مسألة الزرع النابت على مياه المجاري، والذي لا يسقى إلا بها من زاويتين :
*الأولى :سقي الزرع بالمجاري النجسة، فقاسوه على الجلاّلة من الحيوانات، وهي التي تأكل النجس فقط.
* والزاوية الثانية تحقق الضرر والمرض والأذى للإنسان.
أما الزاوية الأولى ففيها قولان: أحدهما يشبه الزرع المسقي بالنجاسة بالجلالة، فالمشابهة قائمة إلا أن الجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهر فتطهر.
ورد في المغني قول ابن قدامة-من فقهاء الحنابلة-:"وتحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسة". وإلى هذا ذهب ابن تيمية، فقال في الفتاوى: " فقد رأينا طيب المطعم يؤثر في الحل، وخبيثه يؤثر في الحرمة، أخذاً بما جاءت به السنة في لحوم الجلاّلة ولبنها وبيضها، فإنه حرم الطيب لاغتذائه بالخبيث، وكذلك النبات المسقي بالماء النجس عند من يقول بالحرمة، ويعزز هذا الرأي ما رواه البيهقي في سننه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (كنا نكري أرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشترط عليه ألا يدملوها بعذرة الناس)( سنن البيهقي الكبرى، كتاب المزارعة ، باب ما جاء في طرح السرجين والعذرة في الأرض). وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يشترط على الذي يكريه أرضه ألا يعرها، وذلك قبل أن يدع عبد الله الكراء .
والقول الثاني في هذه المسألة: قاله ابن قدامة في المغني "عن ابن عقيل، أنه يكره ذلك، لأن النجاسة تستحيل في باطنها فتطهر كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان لحما، ويصير لبنا، وهذا قول أكثر الفقهاء، منهم أبو حنيفة والشافعي". ويؤيد هذا القول ما رواه البيهقي عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - يحمل مكتل عرة إلى أرض له، وقال سعد مكتل عرة مكتل بر، قال أبو عبيد قال الأصمعي العرة هي عذرة الناس ".(سنن البيهقي الكبرى ، كتاب المزارعة، باب ما جاء في طرح السرجين والعذرة في الأرض).
وخلاصة القول في هذه المسألة أنه يكره زرع النبات على مياه المجاري، وإذا زرع يكره أكله، أما إذا ثبت ضررها وخطرها وأذاها للإنسان وثبت تسببها بالأمراض الخبيثة له فإنه يحرم الزرع والأكل مما زرع على مياه المجاري النجسة، لقوله تعالى:(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ)(الأعراف:157)، أما من نبت زرعه على القبور، فقال ابن قدامة في المغني " فأما المقبرة إن كانت لم تنبش فترابها طاهر، وإن كان نبشها والدفن فيها تكرر فلا يجوز التيمم بترابها، وعليه يكره أكل ما نبت على القبور بهذا الوصف.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
المفتي: الشيخ عمار توفيق أحمد أيوب
المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 161
