حبس على الذكور دون الإناث
السؤال: جاء في وثيقة تحبيس ما نصه: "أشهدنا... ح أ بن ش س ع بن ح م ل ج ح أنه حبس ووقف وأبد جميع ما سيذكر الكائن مكانه بقرية ج بس آ ح فمن ذلك سانية حوش سكناه... على أولاده الموجودين وهما ع البالغ الرشيد والطفل الصغير المسمى إ وعلى أولاد أولادهم الذكور دون الإناث بقية عمره... ثم على أولاد أولادهم الذكور دون الإناث ثم على أعقابهم الذكور دون الإناث ثم أعقاب أعقابهم الذكور دون الإناث أيضا وهكذا... بتاريخ أول محرم غرة سنة أربعين وثلاثمائة وألف..."، فما حكم هذا الحبس؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالحبس المذكور في الوثيقة هو من الحبس على الذكور دون الإناث، وهو وإنْ كان مختلفًا فيه بين أهل العلم، فالراجح أنه غير جائزٍ شرعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ) [البخاري: 2587]، وفي المدونة: "عَن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها إذَا ذَكَرَتْ صَدَقَاتِ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَإِخْرَاجَ الرِّجَالِ بَنَاتِهم مِنْهَا، تَقُولُ: مَا وَجَدتُّ لِلنَّاسِ مَثَلًا الْيَوْمَ فِي صَدَقَاتِهِمْ، إِلّا كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾" [المدونة:4/423]، وقال الإمام مالك رحمه الله في رواية عنه: "إِنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ" [شرح الخرشي: 5/88]، وقال خليل رحمه الله في المختصر: "وبَطَلَ… [أَيْ الْوَقْفُ] عَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ" [المختصر: 212].
والحبس على الذكور دون الإناث باطلٌ بالقانون الصادر سنة: 1393 هـ، الموافق لسنة 1973م، المستند للفتوى الشرعية الصادرة من مفتي ليبيا السابق؛ الشيخ الطاهر الزاوي رحمه الله، التي أيّدها قرار مجلس البحوث والدراسات الشرعية التابع لدار الإفتاء، رقم (1) لسنة 1443هــ/ 2022م، بتعديل القرار رقم (1) لسنة 1435هـ/ 2014م بشأن الوقف المعقب، ونصّه:
"1- التأكيد على ما جاء في فتوى دار الإفتاء السابقة، من إلغاء الوقف على الذكور دون الإناث والقانون الذي وافقها في هذا الخصوص.
2- بطلان هذا النوع من الوقف من تاريخ صدور القانون رقم 16 لسنة 1973م، ويعمل بهذا القانون القاضي ببطلان عموم الوقف الذري، بالشق الخاص منه بالوقف على الذكور دون الإناث في الطبقة الأولى خاصة؛ لما فيه من الحيف والجور، دون غيره من الوقف الذري، الذي لا جور فيه؛ لأنه يدخل في أبواب البر.
3- إمضاء الوقف على الذكور دون الإناث الواقع قبل الإلغاء، إن حكم به حاكم؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف.
4- تتم قسمة الوقف الذي حكم ببطلانه على ورثة المحبس الموجودين من الذكور والإناث وقت نفاذ القانون، بتاريخ: 24/ 04/ 1973م، ويعتبر المحبس كأنه مات في هذا التاريخ، فمن مات أصله قبل سنة (1393هـ، 1973م) وكان هذا الأصل أنثى؛ فإنه لا يرث، ولا يدخل في القسمة، ومن استحق شيئًا من الموجودين يوم إلغاء الوقف بمقتضى الفريضة الشرعية؛ ذكورًا وإناثًا، فله التصرف في نصيبه بالبيع والهبة ونحوه".
عليه؛ فيقسم الحبس المذكور - المُفْتَى ببطلانه - على ورثة المحبس، بتقدير موته بتاريخ: 24/04/1973م، ما لم يحكم حاكم بصحته قبل ذلك التاريخ، وينتقل نصيبهم إلى ورثتهم من بعدهم، فمن كانت حيّةً من بنات المحبس في التاريخ المذكور؛ فإنّ لورثتها المطالبة بنصيبها، ومن توفيت قبل هذا التاريخ؛ فليس لورثتها المطالبة به، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد العالي بن امحمد الجمل
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
4/ ربيع الأول/ 1448هـ
17/ 8/ 2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16326
