التعامل مع من يسب الله عز وجل وحكم من أوَّل سبه وتساهل معه
السؤال: أنا (ع ع ح)، أخو زوجتي -والعياذ بالله- يسب الجلالة، فكيف يكون التعامل معه؟ وما حكم إبقاء زوجتي في عصمتي؛ لأنها أوَّلتْ كلامَه بدعوى أن مراده بـ(الربّ) ربّ البيت؟ وهل مِن حقي منعُها ومنع أبنائي من التواصل مع أخيها ومع أهلها من أجل ذلك؛ لأنهم متساهلون مع ابنهم، ولم ينكروا عليه؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فسبُّ الله عز وجل وسب الرب كفرٌ يخرجُ من الملة، لا يقوله إلا مَن خَلا قلبه من الإيمان، إذْ كيف يسبُّ العبدُ الضعيف ربَّه وخالقَه ورازقَه، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: 53]، وقد نهى الله عز وجل المسلمين أن يسبوا آلهة المشركين -وهي مستحقةٌ للسبّ- نهاهم عن ذلك كي لا يسبَّ المشركون اللهَ عز وجل انتقامًا لها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]، فكيف بسبِّ الله العظيم من المسلمين؟!
قال ابن راهويه رحمه الله: "وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ سَبّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ سَبَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم… وَهْوَ مَعَ ذَلِكَ مُقِرٌّ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَنَّهُ كَافِرٌ" [التمهيد: 4/226]، وقال تعالى عن استهزاء المنافقين بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66]، وسابُّ الله تعالى أوْلى بهذا الحكم قطعًا، وصار بذلك مرتدًّا، حلالَ الدم والمال، فإنْ تابَ وإلّا قُتل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) [البخاري:3017].
فعلى مَن وقع في هذا الجرم العظيم أنْ يبادرَ بالتوبة والرجوعِ لدين الإسلام، كي لا يموتَ على هذه الحال، وأن يُكثر من الاستغفار والندم على ما فات، عَلّ الله يغفرُ له.
والواجبُ على من يسمع هذا الكفر الإنكارُ على فاعله بما يقدر، كما قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) [مسلم: 49]، وعليه مفارقته وعدم الجلوس معه حال وقوعه في هذه الجريمة، إن لم ينته عنها، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]، فينكر على القائل ويغلظ عليه في الإنكار، ويَرفع أمره إلى الجهات القضائية والنيابية ليأخذوه ويوقعوا عليه العقاب الشرعي، ولا يتهاون من رآه على تلك الحالة في رفعه إلى القضاء، لأن هذه دعوى حسبة، واجب رفعها على كل مسلم وقعت أمامه.
ويُشرع هجرُ ومقاطعة من وقعت منه هذه الجريمة إلى أن يتوب، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4].
وتأويل الزوجة لكلام أخيها الظاهرِ في الكفر خطأٌ كبير، لكنه يدلُّ على إيمانها، حيثُ لم ترضَ بظاهره، فلم يكن فعلها ردّةً توجبُ فراقها، والواجبُ على الزوج الصبرُ على نصح زوجته، وبيانُ أن الأمور المتعلقة بذات الله وعظمته وجلاله أمورٌ عظيمة، لا ينبغي التساهلُ فيها، أو الاستهانة بها، أو التماسُ العذر لمقتحمها، ولو كان أقربَ قريب، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22].
ومن حق الزوج أن يمنع زوجته من زيارة أخيها، وأهلها إن كانوا يتساهلون في إطلاق مثل هذه الألفاظ المخرجة من الملة ويبررونها، وإذا احتاجت إلى زيارتهم فهي التي تدعوهم إلى بيتها بحضور زوجها، رفعا للضرر عنه وعن أهل بيته، وإن عدل أهل الزوجة عن هذا التساهل واستنكروا مثل هذه الموبقات فليس له أن يمنعها من زيارة أهلها، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
3/ربيع الأول/1448هـ
16/ 8/ 2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16321
