Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾أحكام متنوعة

بيع وهبة في حبس على الذكور دون الإناث

السؤال: جاء في وثيقة تحبيس ما نصه: "حبس وأبد ووقف وسرمد الأصل (خ بن م (ف) ش بن ح م)... جميع ما حدد ونعت على ابنه (م (ض)) البالغ الرشيد حراً وعلى أبنائه الذكور دون الإناث منهم مهما تناسلوا وامتدت فروعهم في الإسلام فإذا انقرضوا عن آخرهم رجع ما ذكر حبسا على مسجد الشيخ المذكور تصرف غلته في مصارفه المعروفة كأحباسه السابقة حبسا مؤبدا ووقفا مسرمدا لا يباع ولا يوهب ولا ترث فيه أنثى إلا من تأيمت أو تعطلت عن الزواج...".

وهذا كان سنةَ 1315هـ، ثم في سنة 1963م وهبَ جدي جزءًا من الحبس لأبي وعمي، وفي سنة 2017م بعتُ جزءًا منه، فهل الهبة والبيع صحيحان؟ وهل يجوز بيع باقي أرض الحبس؟ وما حكم البناء في هذه الأرض، سواء كان للسكن أو التجارة؟ وإذا بنيتُ منزلًا في الحبس ماذا يصنعُ أبنائي فيه؟ وهل يجوز بيع جزء من الحبس لبعض المحبس عليهم؟

الجواب: فالحبس المذكور في الوثيقة هو من الحبس على الذكور دون الإناث، وهو وإن كان مختلفًا فيه بين أهل العلم، فالراجح أنه غير جائزٍ شرعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ) [البخاري: 2587]، وفي المدونة: "رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها إذَا ذَكَرَتْ صَدَقَاتِ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَإِخْرَاجَ الرِّجَالِ بَنَاتِهم مِنْهَا، تَقُولُ: مَا وَجَدتُّ لِلنَّاسِ مَثَلاً الْيَوْمَ فِي صَدَقَاتِهِمْ، إِلّا كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ‌﴿وَقَالُواْ مَا فِي ‌بُطُونِ ‌هَذِهِ ‌الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾" [المدونة:4/423]، وقال الإمام مالك رحمه الله في رواية عنه: "إِنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ" [شرح الخرشي:5/88]، وهو اختيار الشيخ خليل رحمه الله في المختصر، قال: "وبَطَلَ… [أَيْ الْوَقْفُ] عَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ" [مختصر خليل: 212].

والحبس على الذكور دون الإناث باطلٌ بالقانون الصادر سنة 1973م، المستند للفتوى الشرعية الصادرة من مفتي ليبيا السابق؛ الشيخ الطاهر الزاوي رحمه الله، التي أيّدها قرار مجلس البحوث والدراسات الشرعية التابع لدار الإفتاء، رقم (1) لسنة 1443هــ 2022م، بتعديل القرار رقم (1) لسنة 1435هـ 2014م بشأن الوقف المعقب، ونصّه:

"1- التأكيد على ما جاء في فتوى دار الإفتاء السابقة، من إلغاء الوقف على الذكور دون الإناث والقانون الذي وافقها في هذا الخصوص.

2- بطلان هذا النوع من الوقف من تاريخ صدور القانون رقم 16 لسنة 1973م، ويعمل بهذا القانون القاضي ببطلان عموم الوقف الذري، بالشق الخاص منه بالوقف على الذكور دون الإناث في الطبقة الأولى خاصة؛ لما فيه من الحيف والجور، دون غيره من الوقف الذري، الذي لا جور فيه؛ لأنه يدخل في أبواب البر.

3- إمضاء الوقف على الذكور دون الإناث الواقع قبل الإلغاء، إن حكم به حاكم؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف.

4- تتم قسمة الوقف الذي حكم ببطلانه على ورثة المحبس الموجودين من الذكور والإناث وقت نفاذ القانون، بتاريخ: 24/ 04/ 1973م، ويعتبر المحبس كأنه مات في هذا التاريخ، فمن مات أصله قبل سنة (1973م) وكان هذا الأصل أنثى؛ فإنه لا يرث، ولا يدخل في القسمة، ومن استحق شيئًا من الموجودين يوم إلغاء الوقف بمقتضى الفريضة الشرعية؛ ذكورًا وإناثًا، فله التصرف في نصيبه بالبيع والهبة ونحوه".

وما صدر من بعض المحبس عليهم من الهبة قبل إلغاء الحبس فهي هبة باطلة لا يعتد بها، وبعد إلغاء الحبس المعقب في عام 1973 فيجب على المحبس عليهم عمل الفريضة الشرعية التي تبين حقوقهم باعتبارهم ورثة، ومن باع منهم شيئا قدر نصيبه في الفريضة فهو من حقه وله بيع، وما زاد على نصيبه في الفريضة فهو مردود؛ لأنه تصرّف في ملك غيره.

فلو بنى المشتري أو غرس في أرض لا حق للبائع في بيعها فعلى الورثة المستحقين للأرض دفع قيمة البناء منقوضا؛ لأن الباني بنى على أرض صاحبها متعدٍّ فهو بناء من غير شبهة قال ابن عرفة رحمه الله: "ولو علم المشتري أنه مولى عليه متعد في بيعه بغير إذن وليه فهو كالغاصب في الغلة، وفي قيمة البناء منقضا" [المختصر الفقهي لابن عرفة: 455/6].

وإن كان البناء للتجارة فالغلة للورثة وليست للمشتري لأنه لا شبهة له.

وعليه؛ فهبة الجدِّ لجزءٍ من الحبس باطلة، ويقسم الحبس المذكور الذي حبسه جدُّ الجدّ على ورثة المحبِّس الذكور والإناث، الموجودين في تاريخ: 24/ 04/ 1973م، ويقدّر المحبّس ميّتا في ذلك التاريخ، فمن كانت حيّةً من بنات المحبس في التاريخ المذكور؛ فإن لورثتها المطالبة بنصيبها، ومن توفيت قبل هذا التاريخ؛ فليس لورثتها المطالبة به، وأما بيع السائل للجزء من الأرض؛ فإنْ كان قدرَ نصيبه من الميراث أو أقل فالبيع صحيح، وإن كان أكثر من نصيبه من الميراث، فالزائد مردود؛ لحق الورثة، وعليهم قيمة البناء للباني المتعدي منقوضا، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لجنة الفتوى بدار الإفتاء

عصام بن علي الخمري

عبد الرحمن بن حسين قدوع

يعتـــــمــــد

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

21/صفر/1448هـ

4/ 8/ 2026م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16313