توسعة مدرسة من مقبرة لم يدفن فيها منذ مائة سنة
السيد/ عميد بلدية غ.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحية طيبة، وبعد:
فبالنظر إلى مراسلتكم المشار إليها بِـ (26.2/546) بتاريخ: 26/ 4/ 2026م، المتضمِّنة السُّؤال عن حكم توسعة مدرستكم من المقبرة القديمة المجاورةِ لها، التي توقف الدفنُ فيها منذ مائةِ سنة.
فالجواب كالآتي:
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد:
فالمقبرة الدارسَة، التي بَليتْ فيها عظام الموتى، وأكلَها التراب؛ يَمتنع في المشهور عند المالكيةُ الانتفاعَ بها في غير الدفنِ أو بناء مسجد عليه، قال الدردير رحمه الله، في كلامه على أحكام نبش القبر: "إذَا عُلِمَ أَنَّ الأَرْضَ أَكَلَتْهُ، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ عِظَامِهِ، فَإِنَّهُ يُنْبَشُ؛ لَكِنْ لِلدَّفْنِ، أَو اتِّخَاذِ مَحَلِّهَا مَسْجِدًا، لا لِلزَّرْعِ وَالْبِنَاءِ" [الشرح الصغير: 1/205]، لكنّ جمهور الفقهاء على جواز الانتفاع بها في أوجه المنافع العامة، من زرع وبناء ونحوهما، قال الزيلعي رحمه الله: "وَلَوْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَصَارَ تُرَابًا جَازَ دَفْنُ غَيْرِهِ فِي قَبْرِهِ وَزَرْعُهُ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ"[تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: 1/246]، وقال النووي رحمه الله: "يجوز نبشُ القبر إذا بلي الميتُ وصار ترابًا وحينئذ يجوز دفنُ غيره فيه ويجوز زرع تلك الأرض وبناؤها وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الأصحاب" [المجموع شرح المهذب: 5/303]، وقال الحجّاوي رحمه الله: "وإذا صار رميمًا جازت الزراعة وحرثه وغير ذلك" [الإقناع: 1/235].
بل يمكن تخريج الجواز على مذهب مالك أيضًا، قال ابن رشد رحمه الله: "ما كان لله، فلا بأس أن يستعان ببعض ذلك في بعض على ما النفع فيه أكثر، والناس إليه أحوج" [البيان والتحصيل: 2/220].
وروى ابن عبد البر رحمه الله بسنده عن جابر رضي الله عنه أنه قال: "لمّا أرادَ مُعاويةُ رضي الله عنه أن يُجرِيَ العينَ التي في أسفلِ أُحُدٍ، عِندَ قُبُورِ الشُّهداءِ الذين بالمدينةِ، أمَرَ مُناديًا يُنادِي: من كان لهُ ميِّت فليأتِهِ فليُخرِجهُ. قال جابرٌ: فذَهَبتُ إلى أبي، فأخْرَجناهُم رِطابًا يَتَثنَّونَ" [التمهيد: 13/142]، قال ابن عبد البر رحمه الله: "وذلك بمحضر من الصحابة، ولم يبلغني أنّ أحدًا أنكره يومئذ" [التمهيد: 13/140]، قال ابن عرفة رحمه الله: "والأقرب: أنه فعله لتحصيل منفعةٍ عامة حاجية" [المختصر الفقهي لابن عرفة: 8/432]، وهذا في قبور الصحابة والمقبرة كانت عامرة فنبشت القبور وأخرج من بها لحاجة عامة احتاج إليها المسلمون وهو إمرار الماء.
وعليه؛ فيجوز ضم جزء المقبرة الدارسة لمدرسة (أ ق)؛ لمَا في ذلك من مصلحةٍ عامة، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
21/صفر/1448هـ
4/ 8/ 2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16312
