Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾أحكام متنوعة

آلية عمل شركة لإدارة النفقات الطبية

السؤال: نطلب من فضيلتكم بيان الحكم الشرعي بشأن مشروع إدارة النفقات الطبيَّة، وحاصل آلية عمل المشروع - كما في نموذج العمل، والعقود المرفقة - ما يلي:

أن يُبرِم المصرف عقدًا مع الشركة المذكورة، لإدارة برنامج من الخدمات الطبيَّة، مقابل رسومٍ يتم الاتفاق عليها مع المصرف، وهذه الرسوم (إمَّا أن تؤخذ من عملاء المصارف الذين سيشتركون في البرنامج، وإمّا من مقدِّمي الخدمات الطبِّيَّة مقابل دخولهم في الشَّبكة)، وهذا العمل الذي تقدِّمه الشركة ليس سوى إنشاء شبكة من مقدمي الخدمات الطبيَّة؛ كالمستشفيات، والعيادات، والمختبرات، والصيدليات، ومراكز الأشعَّة، ومراكز العلاج الطبيعي، فتقوم الشركة بالتعاقد معهم وإدخالهم في الشبكة؛ ليستفيدوا من خدماتها، التي من أهمِّها جلبُ الزبائن لهم عن طريق البرنامج، وذلك إمَّا في مقابل رسوم شهريَّة متفق عليها مسبقًا، تدفعها (للشركة أو للمصرف)، وإمّا في مقابل تخفيضٍ بنسبة محدَّدة للمصرف، عند سداده عن العملاء المشتركين في الخدمة، المستخدمين للرصيد العلاجي، كما سيأتي توضيحه، ومن عمل الشركة أيضًا: إعطاءُ الموافقات الطبيَّة لعملاء المصرف عند الحاجة إليها؛ ليمكنهم استخدام الرصيد العلاجيّ، دون أضرار مالية أو طبيَّة، وتسجيل جميع العمليات في نظام إلكتروني خاص بالبرنامج، مع مراجعة الفواتير، وإعداد تقارير تسوية مالية (شهريًّا أو أسبوعيًّا) للمصرف، ثمّ يقوم العميل بالاشتراك في البرنامج مقابل مبلغ رمزي، كـثلاثة دنانير مثلًا، ويوافق على كل الشروط والأحكام المذكورة في النماذج، ثم يمنح العميلُ سقفًا ماليًّا مخصَّصًا للخدمات الطبيَّة فقط، ويسَمّى بـ(الرصيد العلاجي)، وهذا الرصيد لا يمكن تحويله إلى مبلغ ماليٍّ، ولا يمكن استعماله إلَّا مع مقدمي الخدمات المتعاقدِ معهم فقط، ويتم السداد لمقدمي الخدمات بواسطة هذا الرصيد عبر الشركة، وبعد مدَّة محدَّدة تقوم الشركة بإعداد تقارير تسوية بين المصرف ومقدمي الخدمات، ثمّ يقوم المصرف بسداد المستحقات المعتمدة، وفقَ التقارير المعتمدة من الشركة، وبعد استخدام العميل للرَّصيد، يقوم المصرف باستقطاع ما تمَّ استخدامه من راتب المشترِك، على أقساط شهريَّة متَّفق عليها، دون أي زيادةٍ أو فوائد.

فما حكم هذا المشروع؟ وكيف تتحصَّل الشركة على ربحها بطريق شرعيٍّ؟ هل من العميل المشترِك، أم من مقدمي الخدمات الطبيَّة مقابل دخولهم في الشبكة، وممّن يتحصَّل المصرف على ربحه؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فـإن هذا المشروع مكوَّنٌ من خمسة عقود: أحدها: عقد المصرف مع الشركة المديرة للخدمات الطبِّيَّة، والثاني: عقد الشركة مع مقدِّمي الخدمات الطبيَّة، والثَّالث: عقد المصرف مع العميل، والرابع: عقد العميل مع مقدِّمي الخدمات، والخامس: عقد مقدِّمي الخدمات مع المصرف، وهذه العقود المتداخلة جمعت بين السلف، والضمان، والحوالة، والوكالة بأجرةٍ أو الجعالة.

وتفصيل ذلك: أنَّه إذا اعتبر المنشئ للشبكة هو المصرف، ووَكَّل شركة الإدارة لإدارتها مقابل رسوم، فيعدُّ هذا العقد وكالةً بأجرة، وإن اعتبر المنشئ للشبكة هو الشركة، في مقابل رسوم تأخذها من مقدِّمي الخدمات الطبيَّة مقابل اشتراكهم في الشبكة؛ لجلب الزبائن لهم، فيُعدُّ هذا عقد جعالة.

وعلى هذا فالعقد الأوّل -وهو عقد المصرف مع الشركة- إمَّا عقدُ وكالة بأجرة، وإمَّا أن تكون الشركة وكيلةً عن العملاء في إنشاء عقد الضمان مع المصرف.

وأمَّا العقد الثاني، وهو عقد الشركة مع مقدِّمي الخدمات الطبيَّة، فعلى اعتبار الشركة منشئةً للشَّبكة مقابل رسوم من مقدِّمي الخدمات، سواء كانت هذه الرسوم قيمة معيَّنةً أو نسبةً مُحدَّدة مقابلَ جلبِ الزبائن فهي سمسرةٌ، وهو عقد جعالة، وإن اعتبر المصرف منشئًا للشبكة، والشركة وكيلة عنه، فتعدُّ الشركة مجرَّد وسيطٍ بينهما.

وأمّا العقدُ الثالث، وهو عقد العميل مع المصرف، فهو من جهةٍ عقدُ سلف، لأن المصرف يؤدي عن العميل ويتقاضى منه بالتقسيط، ولا يجوز أخذ الأجرة عليه من العميل، لأنه يصير سلفا بفائدة، وهو محرم.

ومن جهة أخرى، المصرف يعد ضامنا لسداد الالتزامات المترتبة على العميل من مؤدي الخدمة، والضمان لا يجوز أخذ الأجرة عليه قال الموَّاق رحمه الله : "قال الْأَبْهَرِيُّ: لَا يَجُوزُ ضَمَانٌ بِجُعْلٍ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مَعْرُوفٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ عِوَضٌ عَنْ مَعْرُوفٍ وَفِعْلِ خَيْرٍ كَمَا لَا يَجُوزُ عَلَى صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهَا لَيْسَ لِكَسْبِ الدُّنْيَا، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي الْحَمَالَةِ بِجُعْلٍ" [التاج والإكليل: 7/ 53].

وأمَّا العقد الرابع، وهو عقد العميل مع مقدِّمي الخدمات الطبيَّة، فهو عقد معاوضة، سواء كان بأجرة على خدمة علاجية، أو ثمنًا لدواء، إلَّا أنَّه يتم هنا عن طريق الرصيد العلاجي، وهو عبارة عن كوبون لسداد المال، يفيد الحوالة على المصرف للسَّداد بالمال الحقيقي.

وأمَّا العقد الخامس، وهو عقد المصرف مع مقدِّمي الخدمات الطبيَّة، ففيه التَّفصيل السابق، إنْ عُدَّ المصرف هو المنشئ للشبكة والشركة وكيلة عنه، فيعدُّ العقد عقدَ جعالة، وإن عُدَّت الشركة هي المنشئة للشبكة، فالمصرف مجرَّد ضامن، ومقدِّمو الخدمات مضمونٌ لهم، فيسدِّد ما على عملائه من دين، ثم يرجعُ عليهم.

وعليه؛ فلا يجوز الإقدام على هذا المشروع - لاشتماله على المحاذير المذكور وهي السلف بفائدة والضمان بجعل، ولتصحيح هذه العقود يجب التقيد بالشروط الآتية:

الأوّل: ألّا يدفع العميل رسوم اشتراك مقابل استفادته من المشروع، سواء للمصرف أو لشركة الإدارة.

الثاني: ألَّا يستفيد المصرف شيئًا من هذا المشروع؛ لأنَّه مسلِّف، ولا يجوز التَّربُّح من السلف، سواء من المُسلَّف -وهو العميل- أو من مقدِّمي الخدمات بصورة تخفيضٍ بنسبة معيَّنة عند السداد عن العملاء، أو من الشَّركة المديرة مقابل تعاونه معها بالسلف للعملاء؛ لأنَّ كل صور الربح المذكورة لا تحصل للمصرف إلَّا عن طريق السَّلف أو الضمان، وهو ممنوع، فقد اتفق أهل العلم على أن كل سلف جر نفعا فهو ربا.

الثالث: أن يكون ربح شركة الإدارة من مقدِّمي الخدمات الطبيَّة فقط، مقابل التسويق وجلب الزبائن والمرضَى لهم، ولا يجوز أخذهم اشتراكًا من العملاء؛ لأنَّهم لا يقدِّمون لهم شيئًا من المنافع، وإنَّما منافعهم متَّجهة إلى مقدِّمي الخدمات الطبيَّة.

الرابع: أن يكون ربحُ شركة الإدارة نسبة معيَّنة مقابل كل زبونٍ جاء عن طريق الشبكة، أو قدرًا محدَّدًا من المال، بحيثُ تسْلمُ من الغرر الفاحش.

الخامس: ألَّا يوجد ضرر عامٌّ لا على العميل، ولا على مقدِّمي الخدمات الطبيّة، مع الأمن التَّام على الأموال عند استعمال الرصيد العلاجي، بحيث تتأكَّد الشركة من ضبط الفواتير كما استخدمها العميل، دون زيادة ولا نقص، عند تسليمها للمصرف؛ ليسدِّد عن العملاء مثلَ ما دفعوا من الرصيد العلاجي، فلا يتضرَّر المصرفُ ولا العميل، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لجنة الفتوى بدار الإفتاء

عبد الرحمن بن حسين قدوع

عصام بن علي الخمري

يعتـــــمــــد

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

20/صفر/1448هـ

3/ 8/ 2026م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16310