طلاق بعد انقضاء عدة مع استمرار الوطء دون نية الرجعة
السؤال: حصل خلاف بيني وبين زوجي، فقال لي: "كان طلعتِ من الحوش ومشيتِ لبيت أهلك معاش بنردك، واعتبري نفسك مطلقة"، ثم أخذني هو إلى بيت أهلي، وسأل وقتَها بعضَ المشايخ فأَفْتَوْهُ بلزوم كفارة يمين، وعدم وقوع الطلاق؛ لأنه يقصد التهديد، وبناء على ذلك رجعتُ معه إلى البيت، وبعد أسبوعين حصل خلاف آخر، فأخذني لبيت أهلي، ولم يرجعني بعدها، ولم يعطني نفقة، رغم أني حامل، فلما حصل تواصل بين أهلي وأهله، وحصل خلاف، أرسل إليّ رسالة عبر الهاتف، جاء فيها: "أنتِ طالق طالق طالق بالثلاثة"، فما حكم هذا الطلاق الذي أوقعه في رسالة؟ وماذا يترتب عليه؟
[عند التواصل مع الزوج أقر بمضمون السؤال].
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن الطلاق باللفظ الصريح يقعُ، ولو لم يقصدْ به الزوجُ حلّ العصمة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ) [الترمذي: 1184، حسن]، وقال الدردير رحمه الله: "(وَلَفْظُهُ الصَّرِيحُ) الَّذِي تَنْحَلُّ بِهِ الْعِصْمَةُ -وَلَوْ لَمْ يَنْوِ حَلَّهَا- مَتَى قَصَدَ اللَّفْظَ (الطَّلَاقُ) كَمَا لَوْ قَالَ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي… (وَطَلَّقْتُ)… (وَطَالِقٌ)… (وَمُطَلَّقَةٌ)" [الشرح الصغير: 2/559].
والطلاقُ المعلّق على شيءٍ، كالخروج من البيت أو نحوه، يقع إذا وقع المعلَّق عليه، عند جماهير أهل العلم، من المذاهب الأربعة وغيرها؛ لما جاء عن نافع رحمه الله أنه قال: "طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: إِنْ خَرَجَتْ، فَقَدْ بُتّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ" [البخاري معلقا: 7/45].
وحيث طلق الزوج زوجته الطلاق الرجعي الأول أو الثاني، فإنه يجوز له إرجاعها ما لم تخرج من العدة، فإن خرجت الزوجة من العدّة، ولم يرجعها الزوج؛ فقد بانت منه بينونة صغرى، ولا تحلّ له إلا بعقد جديد وصداق وشاهدين.
فإن باشر الزوج زوجته في العدّة دون نية لإرجاعها، لم يعدّ فعله رجعة، قال الخرشي رحمه الله: "الرَّجْعَةُ لَا تَحْصُلُ بِفِعْلٍ مُجَرَّدٍ عَنْ نِيَّةِ الرَّجْعَةِ، وَلَوْ بِأَقْوَى الْأَفْعَالِ كَوَطْءٍ، وَأَحْرَى قُبْلَةٌ وَلَمْسٌ" [الخرشي: 4/81]، ثم إن طلّقها الزوجُ بعد ذلك طلقةً أخرى حُسِبَتْ عليه، وتكون طلقة بائنة؛ مراعاة للقول بحصول الرجعة بمجرّد الوطء، قال البناني رحمه الله: "وَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ الطَّلَاقِ اللَّاحِقِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَائِنًا؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِلُحُوقِهِ هُوَ أَبُو عِمْرَانَ، وَقَدْ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ كَالطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَهَذَا بَائِنٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجْعِيًّا لَلَزِمَ إقْرَارُهُ عَلَى الرَّجْعَةِ الْأُولَى وَالْمَشْهُورُ بُطْلَانُهَا" [منح الجليل: 4/182].
وعليه؛ فإن كان الحال ما ذكر؛ فإن الطلاق الأول واقع، ومعاشرةُ الزوج لزوجته في العدة دون إرجاع هي معاشرةٌ محرمة، لكن يُلحَق به ما حصل له من الولد خلال هذه المدة للشبهة، ويلزمه ما أوقعه من طلاق الثلاث بعد ذلك من خلال الرسالة؛ لأن الطلاق يقع بالكتابة كما يقع بالمشافهة، فتكون الزوجة بائنةً من زوجها بينونة كبرى، فلا تحل له من بعدُ حتى تنكح زوجًا غيره، وعليه أن يؤدي إليها حقَّهَا من الصداق، وحقَّها في النفقة والكسوة إلى أن تضع حملها، وتجب عليه نفقةُ حضانة الابن، وتقديرُ ذلك بالرجوع إلى المحكمة، وإلى المعمول به في القضاء، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
20//صفر//1448هـ
03//08//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16306
