Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾النكاح والطلاق

طلاق المسحور

السؤال: أنا (ع ع) تزوجت منذ عامين، ومن حينها انقلبت حياتي إلى همٍّ وغمٍّ شديدين، ودائمًا أعيش في ضيق، وأرى في منامي أحلامًا مخيفةً، ونفرةً شديدة أجدها من زوجتي، بدونِ سبب، وشيئًا يدفعني لتطليقها، وذهبتُ إلى بعض المعالجينَ فأكدوا لي أني مصابٌ بسحر التفريق، وأكثر هاتين السنتين بقيت زوجتي في بيتِ أهلها، وإذا جاءتْ إلى البيت أنامُ لوحدِي في غرفة، وحين أخبرتني بحملِها اشتدَّ عليَّ الأمر، وقلتُ لها: "لو أبقيتِ على الحمل في بطنك فأنتِ طالق"، ثم أرجعتُها بعد شهر بقولي: "أرجعتكِ لعصمتي". وبعد زمنٍ دخلتُ البيتَ وأنا في ضيقٍ شديدٍ، ورفعتُ صوتي عليها، فلما جاءَ أهلها لأخذِها وركبتْ هي السيارة، قلت لها: "طالق بالثلاثة"، مِن شدة الضيق الذي أجده في نفسي، والشيء الذي يدفعني لتطليقها دومًا، والآن أعالج عند بعض المشايخ، فما الحكم في هاتين الطلقتين؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإذا كان الزوج حين التلفظ بالطلاق في حالة فقدِ وعيٍ، بحيث لا يدري ما يقولُ، أو وجد نفسَهُ مجبرًا على التلفظِ بلفظ الطلاقِ، مُكْرَهًا عليه بسببِ السحر، غير قادر على تركه ولا الانفكاك عنه، فإنّه لا يقعُ منه طلاق؛ لأنّه في الحالة الأولى في حكمِ المجنون فاقدِ العقل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) [الترمذي: 142]، وقد جاء في المدونة: "قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَا نَعْلَمُ عَلَى مَجْنُونٍ طَلَاقًا فِي جُنُونِهِ، وَلاَ مَرِيضٍ مَغْمُورٍ لاَ يَعْقِلُ، إِلاَّ أَنَّ الْمَجْنُونَ إِذَا كَانَ يَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ، وَيُرَدُّ إِلَيْهِ عَقْلُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا عَقِلَ وَصَحَّ جَازَ أَمْرُهُ كُلُّهُ، كَمَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ" [المدونة: 2/84]، ولأنه في الحالة الثانية تحت تأثير المرضِ، في حكم المكرَه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَن أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [ابن حبان: 7219]، وفي المدونة: "قُلْتُ: أَرَأَيْتَ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ وَمُخَالَعَتَهُ، قَالَ مَالِكٌ: لاَ يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ، فَمُخَالَعَتُهُ مِثْلُ ذَلِكَ عِندِي" [المدونة: 2/79].

وهذا في المسحورِ الذي جعله السحرُ مسلوبَ الإرادةِ، بخلافِ المسحورِ الذي لم تصلْ حالته إلى هذا الحدّ، وبخلافِ العاقل المختارِ الذي لم يفقدِ الإدراك، فهذانِ محاسبانِ على أقوالهما وأفعالهما، والطلاقُ لازمٌ لهما.

وعليه؛ فإن كان الحال ما ذكر، وكان الزوجُ وقتَ إيقاع الطلاقِ الأول والثاني مسلوبَ الإرادةِ، مُكرَهًا ومُجبَرًا عليه تحتَ وطأةِ السحرِ – كما ذكر – فطلاقُهُ غيرُ واقع فيهما، وزوجتُهُ ما زالتْ على عصمتهِ، وليعلمْ أنّ وقوعَ الطلاقِ من عدمهِ، متوقفٌ على صدقِ ما أخبرَ به، مِن أنه كان مسلوب الإرادة حينَ وقوع الطلاق، غيرَ قادر على منع نفسه منه، أمَّا إن كان قادرا على منع نفسه من الطلاق ولم يكن مكرها؛ فإنّ هذه الفتوى لا تفيدُه؛ لأنّها بُنيتْ على إخبارهِ بالإكراه، فإذا كانَ الواقعُ غيرَ ذلك، فالطلاقُ يلزمُه، والفتوَى لا تصلحُ له، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لجنة الفتوى بدار الإفتاء

عبد العالي بن امحمد الجمل

عصام بن علي الخمري

يعتـــــمــــد

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

مفتي عام ليبيا

07//صفر//1448هـ

21//07//2026م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16293