دعوى الزوجة الطلاق بالثلاث مع إنكار الزوج
السؤال: تشاجرتُ مع زوجي، فسبَّ الجلالة، وقال لي: "لو طلعتِي من عتبة الحوش ومشيتِي لحوش بوك فأنتِ طالقٌ بالثلاثة"، فخرجتُ من المنزل، وذهبتُ إلى منزل والدي، فاتصلَ بأختي، وسألها عني، فأخبرَتْه بأني وصلتُ إلى منزلِ والدي، فقال لها: "عليَّ اليمين ما عاد راجعتْها للحوش"، فما الحكم الشرعي في كل ذلك؟ علمًا أنه طلَّقني من قبل مرةً، وأرجعَني بعد ثلاثة أيام.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فلا شكّ أنّ سبَّ الله تبارك وتعالى، وسبَّ الدين، رِدّةٌ عن دينِ الإسلام، وخروجٌ من الملة -عياذًا بالله- قال القاضي عياض رحمه الله: "لَا خِلَافَ أَنَّ سَابّ اللهِ تَعَالَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافِرٌ، حَلَالُ الدَّمِ" [الشفا: 2/270]، وقال ابن راهويه رحمه الله: "وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ سَبّ اللهَ عز وجل، أَوْ سَبَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ … وَهْوَ مَعَ ذَلِكَ مُقِرٌّ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَنَّهُ كَافِرٌ" [التمهيد: 4/226]، ولقد استفاضَ النقلُ عن العلماء في كتبهم، أنّ سبَّ اللهِ والدينِ ردّةٌ عن دينِ الإسلام.
وإذا تابَ الزوج وندمَ، ورجعَ مِن ردّته قبل انقضاء عدةِ زوجته؛ فلا يلزمُه طلاقٌ في هذه الحال، وهو باقٍ على نكاحه الأوّل، فإن لم يتبْ ويرجع إلى الإسلامِ حتى انقضتِ العدة، فقد لزمته طلقةٌ بائنةٌ، وهذا القول هو روايةٌ عن الإمام مالك، وهو قولُ الشافعي رحمه الله
والحلفُ بلفظ (عليَّ اليمين) هو حلف بالطلاق؛ لأنَّ اليمين ينصرف إلى الطلاق في عرفِ البلد، والحلف بالطلاق مكروهٌ، وهو مِن أيْمانِ الفُسَّاق، التي تقدحُ في المروءةِ والشهادة، قال الوزاني رحمه الله: "ومِنْ خطِّ العلّامةِ محمد بَنّانِي: لفظُ اليَمينِ أصلُهُ فِي اليَمِينِ باللهِ، لكنَّ عُرفَ النّاسِ فِي هذهِ الأَعْصَار وَمَا قَبلَهَا أَنَّهمْ يَصْرِفُونَهُ لِعِصْمَةِ الزَّوْجَةِ، فَيُعْمَلُ عَلَى العُرْف … وَقَدْ صَدَرَتِ الْفَتْوَى مِن سَيدِي عَبدِ الوَاحِدِ الوَنشَرِيسِي وَمَن بَعدَه كَسَيدِي يَحيَى السَّرَّاج فِيمَنْ حَلَفَ بِاليَمِينِ وَحَنِثَ، أَنَّهُ تَلْزَمُهُ طَلقَةٌ رَجْعِيَّةٌ إِلَّا أَن يَنْوِيَ أَكْثَرَ فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَى" [المعيار الجديد: 4/152].
عليه؛ فالزوج -بعد التواصل معه- أقرَّ أنه قال: "عليَّ اليمين ما عاد راجعتْها للحوش"، وأنكر سبَّ الجلالة، وأنه قال: "لو طلعتِي من عتبةِ الحوش ومشيتِي لحوش بوك فأنتِ طالقٌ بالثلاثة"، فتلزمه بذلك طلقةٌ واحدةٌ، إضافةً للطلقة القديمة.
وأما الزوجة -إن لم يكن لها بينةٌ على ما أنكره الزوج من السب والطلاقِ بالثلاث- فالواجبُ عليها أن تمنعَهُ من نفسها إن كانتْ مُتيقِّنةً مما تدَّعيه، وأن تعملَ على التطليقِ منه بخلعٍ تدفعُه له، وأن ترفعَ أمرها إلى القضاء للفصلِ في دعواها، قال الدردير رحمه الله: "(وَلَا تُمَكِّنُهُ) الْمُطَلَّقَةُ أَيْ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا (إنْ عَلِمَتْ بَيْنُونَتَهَا) مِنْهُ (وَلَا بَيِّنَةَ) لَهَا تُقِيمُهَا عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا (وَلَا تَتَزَيَّنُ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الزِّينَةُ (إلَّا) إذَا كَانَتْ (مُكْرَهَةً) بِالْقَتْلِ (وَتَخَلَّصَتْ مِنْهُ) وُجُوبًا (بِمَا أَمْكَنَ) مِنْ فِدَاءٍ أَوْ هُرُوبٍ" [الشرح الصغير: 2/592].
وهذه الفتوى بعدمِ لزومِ الطلاقِ المعلق، مبنيةٌ على إنكارِ الزوج لما ادَّعته عليه المرأة، أمَا إن كان الزوج - في حقيقة الأمر - يعرف من نفسه أنه صدَر منه ذلك التعليق بالطلاق؛ فالفتوى لا تفيده، والمرأة بائنة منه، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عصام بن علي الخمري
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
07//صفر//1448هـ
21//07//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16292
