هبة بصورة البيع (توليج)
السؤال: قسم (م ع م ق) رحمه الله بعضَ ما يملكُ بين أولاده قبل موته، فوهبَ بصورة بيع، ولم يدفع أحدٌ من الأولاد شيئًا، وجعل الحوز في يد ابنه الأكبر في أغلب هذه العقود دونَ علم الباقي، فمِن ذلك أنه وهب نصيبه المشاع من ميراث والدته لبناته دون علمهم، وباع لبناته المنزل الذي كان يعيش فيه معهم، وثلث جنان الزيتون، وباع لأبنائه الذكور أكثر الأراضي التي يملكها مع نصف معصرة الزيتون، وتنازل لهم عن قطعة أرض في مخطط زليتن؛ خوفًا من القوانين الجائرة في سنة 2006م، وقد مات أحد أبنائه قبله، فنزّلَ أبناء ابنه منزلةَ أولاده وزوجتَهُ أيضًا، فما حكم هذه التصرفات؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فيشترط لجواز الهبة ألَّا يكونَ الغرض منها حرمانَ الورثة والإضرارَ بهم؛ لمخالفتها قصدَ الشارع من قسمةِ الميراث بالعدل، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:11]، وقال تبارك وتعالى بعد آية المواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 13، 14]، ومِن شرطِ تمام الهبةِ أنْ يحوزَها الموهوبُ له في حياة الواهب، ويتصرف فيها تصرفَ المالكِ في ملكه، قال ابن أبي زيد القيروانيّ رحمه الله: "وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا حُبُسٌ إِلاَّ بِالْحِيَازَةِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُحَازَ فَهِيَ مِيرَاثٌ" [الرسالة: 117]، ويشترط لصحّة هبة دارِ السّكنى أنْ يُخْليَهَا الوَاهِبُ من مَتَاعِهِ، ويسكن غيرها، قال الدّسوقي رحمه الله: "وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ سَكَنَ جَمِيعَهَا [أي: دَارِ سُكْنَاهُ] بَطَلَ الْجَمِيعُ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا، وَإِنْ أَخْلَاهَا كُلَّهَا مِنْ شَوَاغِلِهِ أَوْ سَكَنَ أَقَلَّهَا صَحَّ جَمِيعُهَا كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا" [حاشية الدسوقي: 4/108].
وأما بيع المالك شيئًا من أملاكه لأحد أبنائه دون أن يكون للابن مال يؤديه ثمنا للمبيع- تحيُّلًا على إسقاط شرط الحيازة في الهبة - فهو عقدٌ باطل، ويسمَّى (التوليج)، قال العدوي رحمه الله: "وَالتّوليجُ أَنْ يُريدَ المَالِكُ إِدْخَالَ شَيْئِهِ فِي مِلْكِ غَيرِهِ مَجّانًا، وَيَتَعَذّرُ ذَلكَ لِفقْدِ شَرطٍ مِنْ شُروطِ الهِبَةِ وَالصدَقَةِ وَهوَ الحَوزُ؛ بِسبَبِ كَوْنِ الدّارِ مَسكَنًا لَهُ وَيَعسُرُ عَليهِ الخُروجُ مِنهَا، أَوْ لِمَرَضٍ أَوْ غَيرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الاتّهامِ، فَيَحتَالُ عَلَى تَصحيحِ ذَلكَ بِإِيقَاعِهِ عَلَى صُورَةِ المُعَاوَضَةِ التِي لَا تَفْتَقِرُ لِحَوْزٍ، فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَى ذَلِكَ عُومِلَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَالاطّلاعُ إِمّا بِإِقْرارٍ أَوْ بَيّنَةٍ" [حاشية المجموع: 390/3].
والتنازلُ خوفًا مِن القوانين الجائرةِ لا ينقل الملكية؛ لأنه إكراهٌ، وقد نصّ الفقهاءُ على أنّ التهديدَ بأخذِ المالِ من أنواع الإكراهِ، التي لا تصحُّ معها التصرفاتُ المالية، قال خليل رحمه الله: "أَوْ أُكْرِهَ... بِخَوْفِ مُؤْلِمٍ؛ مِنْ قَتْلٍ... أَوْ لِمَالِهِ" [المختصر: 115].
وأمَّا تنزيل أولادِ الابن المتوفّى منزلةَ أبيهم فمِن قَبيل الوصية، والوصيةُ لغير الورثةِ صحيحةٌ نافذةٌ، في حدودِ ثلثِ تركةِ المتوفّى كلها، مِن عقارٍ ومنقول وغير منقول من الأموال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد رضي الله عنه في الوصية: (الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) [البخاري: 2592]، وما زادَ عن الثلثِ فإنّه يكون موقوفًا على إجازةِ الورثةِ، وهو ابتداءُ عطية منهم إنْ أجازوه.
عليه؛ فإن كان الحال ما ذكر، فجميع تصرفاتِ (م ع م ق) المتعلقة بالتنازل عن أملاكه سواء كانت بالهبة أو بالبيع الصوري باطلة؛ لافتقارها للحيازة، ولأنَّ الأبناء أقرُّوا بعدم دفع أيِّ شيء مِن المال، فهذه عقودٌ صوريةٌ، لا أثرَ لها شرعًا، وتنازلُه عن قطعة الأرض في المخططِ باطلٌ أيضًا؛ لأنه كان خائفًا من التعدي عليها، فكل ما كان يملكُه يدخل في الميراث بين الورثةِ، حسَب الفريضة الشرعية، وأما تنزيلهُ أبناء ابنه منزلة أبيهم، فصحيحٌ بقدر الثلث، وما زادَ عن الثلث موقوفٌ على إجازةِ الورثةِ، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عصام بن علي الخمري
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
6/ صفر/ 1448هـ
20/ 7/ 2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16291
