طلاق سكران طافح
السؤال: أنا (ف ه أ م)، حصل خلاف بيني وبين زوجتي، فقلت لها: "برِّي خير من انطلقكْ"، فلم تفعل، فقلتُ لها: "برِّي طالق"، وكنتُ في الليل في حالة سكر، والأمرُ حدثَ صباحًا، وكنت غيرَ واعٍ، ولا أدري ما قلتُ حتَّى نبهتْني أمّي، فهل وقع الطلاقُ، أمْ لا؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ ما ابتُليَ بهِ الزوج السائلُ مِن شربِ الخمر، الذي أخرجَه من دائرة العقلاءِ؛ محرَّمٌ من كبائر الذنوب، حيثُ وضع نفسَه موضع البهائم الفاقدة للعقل، والموضع الذي يُغضب الله، فإنّ الله حرَّم الاعتداء على العقل، كما حرَّم الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض، وشدَّدَ في شربِ الخمر الذي يُذهب العقل، وجعلَهُ رجسًا مِن عملِ الشيطانِ.
وهو لم يُبَالِ بهذا كله، ولم يَشْعُرْ بالندم، ولا بالخوفِ من الله تعالى! وكلُّ ما أهمّه في الأمر وأقضَّ مضجعه، هو مجرّدُ سؤاله عن طلاق زوجته؛ هل وقعَ، أم لا؟ وكانَ الأجدرُ به أنْ يسألَ: كيفَ أصنعُ لأتوبَ إلى اللهِ من هذه المعصيةِ الكبيرةِ، ليقبلَ اللهُ توبتي؟ وما السبيلُ إلى ذلك؟ ويعبّرَ عن ندمه وخوفه من اللهِ، قبل أنْ يلقاهُ وهو غاضبٌ عليه، هذا هو الذي كان على الزوج أن يفعلهُ، قبل أن يسألَ عن طلاقِ زوجته، أصلحَ اللهُ أمره.
وأمَّا فيما يتعلَّقُ بوقوع الطلاقِ من عدمِه؛ فإنَّ العقلَ هو مَناطُ التّكليفِ والمؤاخذةِ بالأقوالِ والأفعال، فإذا كان المطلِّقُ حالةَ سكره عنده نوعُ تمييز، ويعِي ما يقولُ وقتَ التلفظ بالطلاق، ويقصدُ ما يتكلَّـمُ به - وهو ما يسمَّى بـالسكرانِ المختلطِ غير الطافح - فطلاقُه واقعٌ لازمٌ له، قال ابن رشد رحمه الله: "السَّكْرَانُ الْمُخْتَلِطُ الَّذِي مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ… تَلْزَمُهُ الجِنَايَاتُ والعِتْقُ والطَّلَاقُ وَالحُدُودُ… وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ" [البيان والتحصيل: 4/257-258].
وأمّا إذا غابَ عقلُه فلم يدركْ أو يعلمْ ما صدرَ منه، وطلّقَ في هذه الحالة، فلا يقع طلاقُهُ، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه صارَ في حكم المجنونِ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَن ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) [أَبُودَاود: 4398]، وفي المدوّنة: "قَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ: مَا نَعْلَمُ عَلَى مَجْنُونٍ طَلَاقًا فِي جُنُونِهِ، وَلاَ مَرِيضٍ مَغْمُورٍ لاَ يَعْقِلُ، إِلاَّ أَنَّ المجْنُونَ إِذَا كَانَ يَصِحُّ مِن ذَلِكَ، وَيُرَدُّ إِلَيْهِ عَقْلُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا عَقلَ وَصَحَّ جَازَ أَمْرُهُ كُلّهُ، كَمَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ"[المدونة: 2/84].
عليه؛ فإن كان الحال ما ذكر، من أن الزوج لم يدرك أنّه طلق حتى أخبرته أمه بذلك؛ ففي هذه الحالة لا يلزمه الطلاق، وأمَّا إن كان مدركًا لما أوقعه من الطلاقِ وواعيا به؛ فإنّ هذه الفتوى لا تفيدُه؛ لأنّها بُنيتْ على إخبارهِ بعدمِ إدراكه، فإذا كانَ الواقعُ غيرَ ذلك، فالطلاقُ يلزمُه، والفتوَى لا تصلحُ له، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
6/صفر/1448هـ
20/ 7/ 2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16285
