عقد مشاركة فاسد وحكم السلف بين الشريكين
السؤال: أنا (ج أ ح)، أبرمتُ عقدًا استثماريًّا مع الأخ (ع ق)، بتاريخ: 15/ 09/ 2024م، على أن أساهم بأرضٍ لي مساحتها (7000م2)، يتولى هو البناءَ عليها والتجهيز الكامل، كما وردَ تفصيلُه بالعقد المرفق لديكم، بحيثُ يبني -على ما يقارب ثلثَ الأرض- صالتين اجتماعيتينِ مع بعضِ المرافق، بما قيمتهُ سبعة ملايين دينار، على أن ينجزَ هذا العمل خلال عامٍ مِن تاريخ إبرامِ العقد، ويستحق بذلك الباني مشاركةَ صاحب الأرض في الربحِ الناتج عنْ تأجير المباني، لمدةِ سبع سنوات، على أن يكونَ الربح بينهما مناصفة، ومما جاءَ في بنودِ العقد:
"يقرُّ الطرف الثاني بأنه عند استكمال بناء المشروع موضوع هذا الاتفاق يصبح الطرف الأول مالكا للمباني المشيّدة... مع استمرار الطرف الثاني في المشاركة مع الطرف الأول في الأرباح خلال مدة سريان هذا المحضر (سبع سنوات عمل) قابلا للتمديد برضا الطرفين".
هكذا كان الاتفاق، إلَّا أنه - للأسف - مضتِ الأشهر وانتهت مدة العقد، ولم يقمِ الباني بما اتفقنا عليه، ولم يبْنِ سوى عدد من القواعد في الأرض، بما لا يتجاوز 10% من المشروع، رغم مضيّ ما يقرب من السنتين الآن، وتوقفَ العمل، ولمّا أحضرنا بعضَ المهندسين، أفادُوا بوجودِ بعض الأخطاء الفنيةِ في القواعد نفسها، ولمَّا أدخلنا بعضَ أهل الخير تعهدَ بالبدء في العمل، ومضى شهرٌ ولم يفعل، وتمّ إعطاؤه مهلةً أخرى ولم يفعل، ثم أبلغَنَا بأنه يبحث عن مموِّل للمشروع، وكانت هذه أول مرة يفيدنا بحاجته إلى ممولٍ، على خلافِ الاتفاق، وخَلُصْتُ في آخر الأمر إلى أنّي أريد فسخَ هذه الشراكة وإلغاءَها، فما حكمُ هذه الشراكة؟ وما الذي يترتبُ على فسخها؟ وما الذي أستحقّه نظيرَ تعطيل الطرف الثاني للأرض، وتفريطه فيما اتفقنا عليه؟ ومَن الذي يتحمل إلغاء القواعد من الأرض وإزالتها، وتسوية الأرض التي تضررت بسبب هذهِ القواعد؟ علمًا أنَّ كلفةَ ذلك من (30 إلى 40 ألف دينار)، وأني سبق لي أن استلمت من الطرف الثاني مبلغًا ماليًّا قدره: (125 ألف دينار)، على أنه سُلفة تخصمُ في المستقبل مِن ربح المشروع، وأنّ الطرفَ الثاني يدّعي أنه لم يوقف العمل إلا اضطرارًا؛ بسببِ تغير الأسواق، وأزمة ارتفاع الأسعارِ، وفرق الدولار، وأنه مستمرّ في العمل قدر الإمكان.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ العقد المذكور في السؤال فاسدٌ ابتداء، واجبُ الفسخ، لا يصحُّ على وجهِ الشراكة؛ لأنّ صاحبَ الأرض يشترطُ بقاءَ الأرضِ وما سيبنيهِ الباني عليها في ملكهِ هو، ولا يسمح للباني أن يشاركَه في المبنى بقدر المال الذي سيبذله، فالباني إنما يبني لصاحب الأرضِ ابتداء، وليس هذا مِن الشراكة في شيء.
والواجب في هذه المعاملة الفسخ حيث اطُّلِعَ عليها، فإن حصل فيها شيء من العمل الذي اتفقا عليه، بأن بنى العامل عددًا من القواعد، كما ورد في السؤال، فالواجب فسخ العقد، وعدم الاستمرار فيه، ثم يرجع العامل على صاحب الأرض بالأقل من قيمة ما أنجزه من البناء قائمًا، أو النفقة التي أنفقها بالفعل، جاء في النوادر والزيادات، فيمن بنى على أرضِ أحدٍ على أنَّ له الغلة في عدد من السنين، ثم تكون الغلة بعد ذلك كلها لصاحب الأرض؛ أن هذا عقد فاسد، جاء فيها: "فَإنْ وقعَ عَلى أنَّ لَهُ جُزْءًا من الغَلَّةِ دُونَ الأرْضِ، فَالغَلَّةُ كُلُّهَا لِرَبِّ الأَرْضِ، وَعَلَيْهِ للآخَرِ الأقلُّ مِنْ قِيمةِ عَمَلِهِ قائمًا يومَ فَرَغَ مِنْهُ، أوْ نَفَقَتِهِ التِي أَنْفَقَ، وَثَمَنِ مَا أَدْخَلَ مِنْ صَخْرٍ وَخَشَبٍ مَعَ قِيمَةِ عَمَلِ يَدَيْهِ" [النوادر والزيادات: 3/77].
وأما السلفُ بين الشريكين؛ فلا يجوز لأحدهما ابتداءً أن يُسلف صاحبه عند العقد أو قَبْلَهُ، لما يُتَّهَم فيه من السَّلَفِ يَجُرُّ منفعة، وأما بعد العقد فيجوز، إذا كان على وجه الصلةِ والمعروف، لا على وجه الانتفاع من السلف بوجهٍ من الوجوه في الشركة أو غيرها، كأن يُسْلِفَهُ ليغضّ الطرف عن تأخير أو خلل في عمل الشركة، فيمنع كذلك، قال الدردير رحمه الله: "(وَلَهُ) أيْ: لِكُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا (التبرُّعُ) لشرِيكِهِ بِشَيْءٍ منَ الرِّبحِ أو العَمَلِ (وَالسَّلَفُ وَالْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ) لا قبلَهُ أوْ فِيهِ"، قال الدسوقي رحمه الله: "أيْ: وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ ممنوعًا، وظاهرُهُ في التبرعِ والسَّلَفِ والهِبَةِ، أمَّا فيِ السَّلَفِ فظاهِرٌ؛ لأنه سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا... والذِي فِي [كَلَامِ عَبْدِ البَاقِي] أَنَّ غَيْرَ السَّلَفِ يُمْنَعُ فِي حَالَةِ العَقْدِ وقَبْلَهُ، وَأمَّا السَّلَفُ فَيُمْنَعُ قَبْلَ العَقْدِ، وأمَّا فِيهِ فَيُفَصَّلُ بينَ كَوْنِ الْمُتَسَلِّفِ ذَا بصيرةٍ بالبيعِ والشرَاءِ فَيُمْنَعُ؛ لأنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَإِلَّا فَيَجُوزُ، هَذَا هُوَ الذِي في كتابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ القَاسِمِ" [حاشية الدسوقي: 3/354].
وعليه؛ فالمعاملة المذكورة في السؤال فاسدةٌ، لا يجوز الاستمرار فيها، ويجوز للعامل أن يرجع على صاحب الأرض، ويطالبه بالأقل من قيمة القواعد التي بناها إنْ كان لها قيمة، أو النفقات التي أنفقها في بناء القواعد المذكورة.
وحيث إنَّ القواعد بها بعض الأخطاء الفنية، التي تجعلها لا يستفاد منها في البناء عليها؛ فلم تَعُدْ لها قيمة أصلًا، بل صارتْ عبئًا تحتاج إزالتهُ إلى نفقات، فبذلك لا يستحق الباني عليها شيئا؛ لأنّ حقّه في مثل هذا العقد الفاسد هو الأقل من نفقته وقيمة البناء، والبناء لا قيمة له، فلم يبق له حقّ فيما أنجزهُ من عمل.
فعلى الطرفين أن يتصالحَا في تحمل الخسائر التي ترتبت على هذا العقدِ الفاسد؛ لأنّ صاحبَ الأرض وإن كان قد تضرّر بسبب إخلال الطرف الثاني بالعقد؛ فإن الطرف الثاني هو أيضًا قد اعتذر بسبب تغير أحوال السوق وغلاء الأسعار، التي لم تكن في حسبانه، والتصالحُ أولى لهما إبراءً للذمّة، فإن تنازعا، فعليهما أن يقتسما الغُرْمَ الذي ترتب على صاحب الأرض بتعطيله، والغُرْمَ الذي تكلّفه الباني ولم يحصلْ منه على شيء، يقتسمانه مُنَاصَفَةً؛ لأنّ اتفاقهما كان على المناصفة في الأرباح، أن لو كان العقدُ صحيحًا، فيكون الغُرْمُ كذلك على المناصفة؛ لأنَّ الغُنْمَ بِالْغُرْمِ.
وما أخذَهُ صاحبُ الأرضِ على وجه السُّلْفَةِ من الباني؛ يجب عليه أن يردّه، لأنه دَيْنٌ في ذمّته، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عبد الرحمن بن حسين قدوع
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
28//محرم//1448هـ
13//07//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16275
