Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾أحكام متنوعة

نصيحة للموظَّفين بإتقان أعمالهم

السؤال: ما حكم تعطيل مصالح الناس، ومماطلتهم في أدائها، مِن قبل الموظفين في المؤسسات الحكومية والجهات العامة، حتى صار هذا عرفاً سائداً، وأسلوباً معتاداً في عامة هذه المؤسسات، بحيث لا يستطيع أحد قضاء مصلحته - مهما صغرت - إلّا إذا تفرَّغ لها في يومه كله، وإذا كان هو موظَّفاً فلا بدَّ أن يسبِّب له ذلك تعطيلاً في عمله، وتأخيراً لمصلحة غيره أيضاً، والله المستعان؟

فنرجو منكم بيان حكم هذه الظاهرة السائدة، ومسؤولية كل فرد فيها، ومسؤولية الحكومة والجهات التابعة لها.

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فـإن العامل في أيّ قطاع من قطاعات الدولة، يجب عليه شرعاً أداء ما أسند إليه من عمل، على الوجه المطلوب منه، دون تقصير فيه ولا تأخير، وهو محاسب على تقصيره هذا أمامَ الله تعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) [صحيح البخاري: 5200]، وهذا الخلل المنتشرُ في الدولة في أداء الوظائف من تعطيل مصالح الناس، والتأخر في ابتداء الدوام، والانصراف قبل انتهائه، وعدم إنجاز الأعمال بالتقصير والتملّص منها، والتحايل والتعذر بعطل المنظومات ونحو ذلك من الأعذار الكاذبة، كلّه محرَّم شرعاً، وهو من خيانة الأمانة، والغشّ للرعية، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنفال: 27]، وهو سبب في الحرمان من دخول الجنة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) [صحيح مسلم: 1429]، وسببٌ في عقاب الدنيا قبل عقاب الآخرة، كما حصل لقوم شعيب - عليه السلام - عند تطفيفهم في الكيل والوزن، قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾، قال السمعاني رحمه الله: "وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمر أَنه كَانَ إِذا مر بِالسوقِ قَالَ: أَيهَا الباعة، أَوْفوا الْكَيْل وأوفوا الْوَزْن، وَقد سَمِعْتُمْ مَا فعل الله بِقوم شُعَيْب" [تفسير السمعاني: 2/ 451]. والتطفيف في أداء العمل بتضييع حقوق الناس أشدُّ وزرا من التطفيف في المكيال والميزان في المحسوسات كالحبة والحبّتين والوزن القليل.

كما أن الموظف يتقاضى راتباً على عمله هذا، ولا يستحقّه إلا إذا أدى عمله على الوجه المطلوب منه، فإنّه إذا قصَّر فيه أدى هذا إلى إطعام نفسه وأهله وأولاده الحرام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [صحيح البخاري: 6979].

وقال صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ... وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [صحيح البخاري: 1465]، وقال: (يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ) [الترمذي: 614].

وبعض الناس يقول: الناس كلهم يفعلون هذا، ويجعل ذلك عذرا، فهذا ليس حجّة، فإن انتشار المعصية لا يجعلها مباحة، بل الواجب عند شيوع المنكر أن يمنع الناس المنكر باليد وباللسان ومن لم يستطع فبقلبه، لا أن يفعلوه ويَتقَحَّموه ويشاركوا فيه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ) [الترمذي: 2169].

وتَعظُم هذه المسؤولية ويعظم وزرها بِعظم الوظيفة وأهميتها، فرئيس المؤسسة مسؤوليته أعظم ممن يليه، ومن يليه مسؤوليته أعظم ممن تحته، وهكذا.

فالواجب على الموظّف أداء ما أسند إليه، وإن قصَّر غيرُه، لئلا يلحقه الإثم الذي يلحق غيرَه، وعليه أيضًا النصح في هذا، وتنبيه مَن حوله إلى هذه الأمانة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

وعلى الخطباء - في الجُمع وغيرها - تذكير الناس بهذه الأمانة المضيعة، وعلى المسؤولين من مدراء ورؤساء التنبه إلى أعمال من تحتهم وإلى حضورهم وانصرافهم، وعلى الدولة تفعيل الجهات الرقابية وتوجيهها لمثل هذه المخالفات بشكل خاص، وإيقاع العقوبات الرادعة على المقصّر دون تهاون، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لجنة الفتوى بدار الإفتاء

عصام بن علي الخمري

عبد الرحمن بن حسين قدوع

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

11/ ذو القعدة/ 1447هـ

28/ 4/ 2026م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16231