قطع الأرحام
السؤال: أنا مقدِّم الطلب (ط م ا)، وسبب السؤال أني منعت إخوتي وأخواتي من حضور عرس أبنائي، وأخبرتهم أنهم غير مرحبٍ بهم؛ وذلك لأني كنت أنهاهم من قبل في أعراسنا عن البخور ذي الرائحة الكريهة، وبعض العادات الغريبة، التي هي أقرب للشعوذة؛ فلا ينتهون، فهل يُعد ذلك من قطيعة الرحم؟ علمًا أنَّ التواصل بيننا لم ينقطع، بل هو محدودٌ ومقتصرٌ عليَّ دون أبنائي وزوجتي التي تلوم عليهنّ بسبب عدم تعزيتها في وفاة أخيها، نرجو منكم بيان الحكم الشرعي والتوجيه في ذلك.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فـقد أوجب الله عز وجل صِلة الرَّحم، وحذَّر من قطعها، بل قرن الله تعالى قطع الأرحام بالفساد في الأرض، الذي هو من أكبر الكبائر، فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسِيتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22]، وقَالَ صلى الله عليه وسلم: (الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ) [مسلم: 2555]، ولا يجوز للمرء أن ينجرَّ وراء تحريش الشَّيطان، فيقع في قطيعة الأرحام؛ فالشَّيطان لم يزل يُوقِع بين المرء وبين رحمه العداوةَ والبغضاء، ويفرقُ بينهم، حتى يُوقِعهم فيما يُغضب الله عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) [البخاري:2812].
والواجبُ على السائل الاعتدال، فليس المطلوبُ منه موافقتَهم على فعل المنكرات، أو ما فيه ضررٌ بالنَّاس، ولا منعهم من حضور تزويج أبنائه، وإنَّما الواجب دعوتُهم واستضافتُهم، ومنعُهم مما يُغضبُ الله عز وجل؛ إذِ المنكَرُ لا يُعالج بمنكر آخر، بل بالنّصح والمعروف، ولين القول، فإنه يجلب الودّ ويرطب القلوب.
وليس واجبًا على الزوجة أن تصل أقارب زوجها؛ لأنَّهم ليسوا من رحمها، وإن كان الأولى بها مواصلتهم إن كان في ذلك إرضاءٌ لزوجها، ولها الأجر في ذلك إن شاءَ الله.
عليه؛ فإنّ الواجبَ على السائل -وعلى كل مسلم- صلة أرحامه، والحذر كُلّ الحذر من الدُّخول تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ) [مسلم: 2556]، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
29/شوال/1447هـ
2026/4/9م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16224
