Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾النكاح والطلاق

حكم الخلع والأحكام المترتبة عليه

السؤال: ما حكم الخلع؟ وما هي أحكامه المترتبة عليه؟ وهل هو جائز في كل حال، ولو بلا سبب شرعي، وهل يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق عن طريق المحكمة بالخلع؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنّ الخُلع هو الطَّلاق الذي يقع في مقابل عِوَضٍ تدفعهُ المرأةُ أو غيرها، وأصله قول الله عز وجل: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [النساء: 4]، وحديثُ حَبِيبَةَ بنت سَهلٍ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فقد أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟) قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً) [صحيح البخاري: 5273].

وحُكمُه من حيثُ دفعُ العِوض الجوازُ، وإن كان مكروهًا من حيثُ كونُه طلاقًا في الأصل، قال الدسوقي رحمه الله: "فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ جَائِزٌ جَوَازًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ... وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْمُعَاوضَةُ عَلَى الْعِصْمَةِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ طَلَاقًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ بِالنَّظَرِ لِأَصْلِهِ اتِّفَاقًا" [حاشية الدسوقي: 2/347].

ولا يُشترط في الخُلع وقوع الضَّرر من الزوج، بل وقوع الضَّرر مُسقِط لحقِّه في العِوض، قال ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: "وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَفْتَدِيَ مِنْ زَوْجِهَا بِصَدَاقِهَا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ ضَرَرٍ بِهَا، فَإِنْ كَانَ عَنْ ضَرَرٍ بِهَا رَجَعَتْ بِمَا أَعْطَتْهُ، وَلَزِمَهُ الخُلْعُ" [رسالة ابن أبي زيد: 1/97]، ويترتَّب على الخُلع بينونةُ الزوجة من زوجها بينونةً صُغرى، فلا يملك الزوج رجعتها إلا بعقدٍ ووليٍّ ومهرٍ جديدٍ، قال ابن عبد الرَّفيع رحمه الله: "إِذَا رَاجَعَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ الْمُخْتَلِعَة، فَلَابِدُّ مِن رِضَاهَا وَوَلِيّ وَصَدَاقٍ" [معين الحكام: 301/1].

ولا حقَّ للمُختلَعَة في النفقة أو الكِسوة، بل لها الحقّ في السُّكنى مُدةَ العِدة، فليس للزوجِ أن يشترطَ عليها الخروجَ من منزله المملوكِ له، لكن له أن يشترط عليها في الخلعِ أن تدفعَ أجرة الكراء، سواء كان المنزل مملوكًا لغيره، أو كان مملوكًا له وحدَّد لها أجرةً، قال البراذعي رحمه الله: "وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ لاَ سُكْنَى لَهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ إِلْزَامَهَا كِرَاءَ الْمَسْكَنِ جَازَ ذَلِكَ إِن كَاَن الْمَسْكَنُ لِغَيْرِهِ، أَوْ كَانَ لَهُ وَسَمَّى الْكِرَاءَ، وَإِن كَانَ عَلَى أَن تَخْرُجَ مِن مَسْكَنِهِ، تَمَّ الْخُلْعُ وَلَمْ تَخْرُجْ، وَلاَ كِرَاءَ لَهُ عَلَيْهَا" [التهذيب في اختصار المدونة: 387/2]، وليس بينهُما توارُثٌ إذا ماتَ أحدهما ولو في العدة؛ لأنَّه طلاقٌ بائن، قال الدردير رحمه الله: "وَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا وَلَوْ مَاتَتْ فِي عِدَّتِهَا" [الشرح الكبير: 354/2].

والخلعُ والعوضُ الذي تعرضُه الزوجة على الرجل ليطلّقها، الحقُّ في قَبوله من عدمِه هو للرجّل؛ فلا تملك المرأة أن تطلق نفسها بالخلع، وإنما تملك أن تتنازل عن بعض حقّها للزوج، أو تعطيَه مالًا ليرغبَه في طلاقها، ولا ينبغي للمرأةِ أن تطلبَ الطلاقَ بالخلع دونَ سببٍ ولا مضارةٍ من الرجل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أَيّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) [أبوداود: 2226]، فالزواج مبنيٌّ على المُكارمة وحسنِ العشرة والمحبةِ والتفاهمِ بين الزوجين، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]، ويُشرع لها إنْ كرهته وتضررتْ بالبقاء معه، أو خافتْ بالبقاء معه ألَّا تقيمَ حدود الله، بالتقصير في حقّه الذي أوجبه الله عليها؛ أنْ تُخالعَه، قال ابن عبد البر رحمه الله: "وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إِجَازَةِ الْخُلْعِ بِالصَّدَاقِ الَّذِي أَصْدَقَهَا، إِذَا لَمْ يَكُنْ مُضِرًّا بِهَا، وَخَافَا ألّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ" [التمهيد: 23/368]، والواجب على الزوج في المقابل ألا يضارّ زوجته؛ ليضطرها إلى الخلع وطلبِ الطلاق، أو يُسيءَ عشرتَها ومعاملتها بما يتعارضُ مع المودة والرحمة، التي حَثَّ عليها القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 231]، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لجنة الفتوى بدار الإفتاء

عصام بن علي الخمري

عبد الرحمن بن حسين قدوع

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

4/رمضان/1447هـ

2026/2/22م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16216