حكم طلاق الغضبان
السؤال: قمت بتطليق زوجتي أربع طلقات، في وقائع متفرقة، وفي جميعها أكون بحالة غضب شديد، وأطلق بلفظ صريح: (أنت طالق)، وبعد اللفظ مباشرةً -أحيانا- أصابُ بتشنجٍ من شدةِ الغضب، ولا أتذكر ما وقعَ وقتها، حتى تذهبَ عني هذه الحالة، وبعد كل مرة تذهب الزوجة إلى بيت أهلها، وأفادني والد الزوجة بفتوى؛ أنّ الطلاق حال الغضب وفقدان الإدراك، مع عدم وجود نية الطلاق؛ لا يقع، والطلقة الثالثة كانت بعد مشكلة حدثت في تونس، بسبب انفعال شديد وضغوط نفسية بسبب السفر، فبعد أن أرجعت الزوجة إلى بيت أهلها اتصلت بها هاتفيا، وطلقتها بلفظ صريح: (أنت طالق)، وبعدها سألني والدُ الزوجة عن حالتي، فقلت: (لقد كنت متعباً من السفر ولم استطع التركيز ولا أذكر ما حصل في ذلك اليوم) وبناءً على ذلك أفادَ والد الزوجةِ بعدم وقوع الطلاق، ولكن في كل مرة أرجع بها لبيتي قبل خروجها من العدة، ناويا بذلك الرجعة، وأما الطلقة الرابعة والأخيرة؛ فقد وقعت مشاجرات عبر الهاتف، وكنت في حالة غضب شديد جدّا، وتلفظت بالطلاقِ بلفظ صريح: (أنت طالق)، وبعد ذلك أُصبتُ بانهيار شديد، وقلت: ماذا فعلت؟ وماذا قلت؟ وبعد هذه الواقعة ذهبت الزوجة إلى بيت أهلها، ولا تزال مقيمة فيه حتى الآنَ، خَوفًا من الوقوع في الحرام وفي جميع الوقائع المذكورة يؤكد الزوج أنه لم تكن لديه نية الطلاق أصلًا، وأنه تلفظ بالطلاق في حالات غضبٍ شديد جدًّا، وانفعال، وضغوطات نفسية، وكان يعقبُها ندمٌ فوري، ولا يذكرُ التطليقَ إلّا بعد ذهابِ الغضَب، فما الحكم؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن العقل هو مناطُ التكليف والمؤاخذة بالأقوال والأفعال، وطلاق الغضبان الذي لا يلزم ولا يؤاخذُ به، هو ما وصلَ فيه المطلق إلى درجةٍ لا يعي فيها ما يقولُ، ولا يشعرُ بما صدرَ منه؛ لأنه صار في حكم المجنونِ فاقدِ العقل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَن ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) [الترمذي: 142]، وأما إذا كان المطلِّقُ لم يصل به الغضبُ إلى هذه الدرجة -كما هو حال السائل- وكان عالمًا بما يتكلم به، ويعي ما يقول، فالطلاق واقعٌ، قال الصاوي رحمه الله: "يَلْزَمُ طَلَاقُ الْغَضْبَانِ، وَلَوْ اشْتَدَّ غَضَبُهُ، خِلَافاً لِبَعْضِهِمْ، وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَغِبْ عَقْلُهُ، بِحَيْثُ لاَ يَشْعُرُ بِمَا صَدَرَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ كَالْمَجْنُونِ" [بلغة السالك: 2/351].
عليه؛ فإن كان الحال ما ذكر، وكان المطلق مع غضبه ذاكرًا لما يحدثُ معه، وواعيًا بما يقول، فقد استنفدَ الطلقات التي جعلها الشارع الكريمُ للأزواج، قال تعالى: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: 229]، قال القرطبي رحمه الله: "وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا، فَإِنْ طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ" [الجامع لأحكام القرآن: 3/127]. وقد بانت منه زوجتُه بينونةً كبرى، فلا تحلّ له حتى تنكحَ زوجًا غيره نكاح رغبة، ثم يطلقها أو يموت عنها؛ لقول الله تعالى: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: 230]، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عبد العالي بن امحمد الجمل
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
22/شعبان/1447هـ
10/02/2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16205
