طلاق مسحور غير مدرك
السؤال: طلقت زوجتي ثلاث طلقات، الطلاق الأول لا أذكر منه شيئا، حتى أبلغتني الزوجة أني تلفظت بالطلاق، وذهبتْ لبيت أهلها، وبعد ذلك وجدنا سحرًا في المنزل، وهو ما أخبر به الراقي، وذكر أنّ الطلاق كان من تأثير السحر، ورغم أني لم أكن مقتنعًا بهذه الأشياء، إلا أنّ تكررَ بعضِ الأحداث ورؤيةَ بعض الأمور الغريبة جعلتْني أصدقُ ذلك، واكتشفتُ أني كنتُ أعاني من السحر منذ بداية الزواج، وأثّر ذلك على حياتي وأولادِي وصحتي وصلاتي.
والطلاقُ الثاني كان في حالة غضبٍ شديدٍ، أقرب للانهيار العصبي، حيث نطقت بقولي: (يا ريتك قعدتي طالق، بري طالق).
والطلاق الثالث لم يكن هناك مشكلة بعينها، ولكن ذهبتُ لمحرر العقود مع بعض الأصدقاء، ووثقتهُ هناك، بعدها دخلت في حالة جنونية من الغضب ولم أدر كيف تصرفت هذا التصرف، ثم وجدنا سحرًا معقودًا في أغراض المنزل، وبعد البدء بالعلاج والرقية الشرعية والحجامة والأذكار النبوية؛ قررت إرجاع زوجتي ولمَّ شتاتِ أبنائي، حيث كان السحر قد أثر عليّ، وجعلني -في كثير من الأحيان- غير مدرك ولا واعٍ، فهل يجوز لي إرجاع زوجتي؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ المطلّقَ إن كان وقتَ وقوعِ الطلاقِ غائبَ العقل، أو مسلوبَ الإرادةِ، بحيث لا يدري ما يقولُ، أو وجدَ نفسه مجبَرًا على التلفظ بلفظِ الطلاق بسببِ السحر، فإنّه لا يلزمُه الطلاق؛ لأنّه في الحالة الأولى في حكمِ المجنون، وفي الحالة الثانية في حكم المكرَه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رفع القلم عن ثلاثة... وعن المجنون حتى يعقل أو يُفيق) [أبوداود: 4398]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَن أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) [ابن حبان: 7219]، وفي المدونة: "قُلْتُ: أَرَأَيْتَ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ وَمُخَالَعَتَهُ، قَالَ مَالِكٌ: لاَ يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ" [المدونة: 2/79]، وهذا في المسحورِ الذي جعله السحرُ غائبَ العقل، أو مسلوبَ الإرادةِ، بخلافِ المسحورِ العاقل الذي لم يفقدِ الإدراك، أو المختارِ الذي لم تصلْ حالته حدَّ الإكراه، فهذانِ محاسَبانِ على أقوالهما وأفعالهما.
عليه؛ فإن كان الحال كما ذُكِر، وكان السائلُ وقتَ إيقاع الطلاقِ الأول غيرَ واعٍ -كما أخبر- فطلاقُهُ الأول غيرُ واقع، ويكون قد وقع منه طلقتان، فيمكنه إرجاع زوجته بعقد جديد بمهرٍ ووليٍّ وشاهدين؛ لكونها خرجت من العدة بحسَب إخباره، وَلْيعلمِ الزوُج أنّ عدم وقوع الطلاق متوقفٌ على صدقِ ما أخبرَ به، مِن عدمِ إدراكه لما وقعَ منه مِن التلفظِ بالطلاقِ، أمَّا إن كان مدركًا لما وقَع منه من الطلاقِ؛ فإنّ هذه الفتوى لا تفيدُه؛ لأنها بُنيتْ على إخباره بعدمِ إدراكه، فإذا كانَ الواقعُ غيرَ ذلك، وكان مدركًا؛ فالطلاقُ لازمٌ له، والفتوَى لا تصلحُ له، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
14/شعبان/1447هـ
02/02/2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16203
