Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾أحكام متنوعة

حكم التعويضات عن الأضرار الناجمة عن المعارك

السؤال: نحن مجموعة من المواطنين المتضرّرين إبانَ حربِ التحرير سنة 2011م، حيثُ تعرّضت ممتلكاتنا لأضرار جسيمة، نتيجة قصف كتائب القذافي لمدينة (ر).

وقد تقدّمنا –وَفق الإجراءات المعتمدة– بملفات التعويض إلى لجنة التعويضات منذ عام 2012، واستوفينا جميع المستندات المطلوبة، وطُلِب منا أداء القَسَم أمام القاضي؛ ففعلنا.

وقد قدّرتِ اللجنةُ التعويضاتِ على أساسِ أسعار ذلك الوقت، ولم يستلم أحد شيئًا حتى الآن، في حين أنّ الأسعار قد ارتفعت في الوقت الحاضر أضعافًا كثيرة، فصارتْ قيمة التعويض المقدَّر لا تفي بالضررِ الواقع فعليًّا.

فهل يحقّ لنا مطالبة الدولة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بنا؟ وهل يجوز لنا شرعًا الاعتراض على تقدير اللجنة، والمطالبة بإعادة التقويم وَفق الأسعار الحالية؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنّ التعويض عن الضرر في الأصل واجبٌ على الجاني؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194].

والجاني في هذه الواقعة هو القذافي وكتائبُه الباغية، والبغاةُ إذا كان قتالُهم على وجهِ العِناد والعصبية، لا على تأويلٍ مُعتبَر، فإنهم يَضمنونَ ما أتلفوهُ في الأموال والجراح، قال الخرشي -رحمه الله-: "وَأَمَّا الْبَاغِي إذَا كَانَ قِتَالُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ وَالْعَصَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَ" [شرح الخرشي: 8/61].

فالأصلُ أنّ ضمانَ ما أتلفته كتائب القذافي يكونُ من أموال القذافي وقادةِ كتائبه إن وُجدَت، فإنّ هناك أموالًا كثيرةً مودَعةً في بلاد العالم مِن النظام السابق، الواجبُ أن يُدفع التعويض منها؛ لأن الحكومة من حينٍ لآخر تتحصّل منها على شيء، فهذا هو محلّ صرفها، ويُقدَّم على غيره مِن وجوه الصرف؛ لأنها ديون، وكذلك أملاك قادة النظام المتورّطين في الأمر بالقتل أو مباشرتِه، سواء كانت في حوزتهم، أو كانت مصادَرةً تحتَ الحراسة، فهي التي يجب أن تُستوفَى منها التعويضات.

ولا يجوز أن تُصرف التعويضات من بيت المال ما أمكن؛ لأنّ الأصل فيه أن يُصرف فيما يعود نفعُه لعموم المسلمين؛ كسَدّ الثغور، وتجهيز الجيوش، وسدِّ حاجاتِ القُضاة والعلماء، ومَن يرجع نفعُ أعمالهم للمسلمين جميعًا، ثم إذا فَضلَ منه شيءٌ صُرف في المصالح الخاصة للفقراءِ حتى يُغنَوا، ثم إذا بقيَ شيء بعد ذلكَ يوقفُ لمصائبِ المسلمين ونوازلهم، ولا يضمنُ بيتُ المال جناياتِ طوائفِ البغي، وقد بيّن الفقهاءُ مصارفَ بيت المال وضوابطَه بيانًا واضحًا؛ لأنها ليستْ أموالًا خاصة بالمسئُولينَ، حتى يتصرفوا فيها بما شاءُوا، بل هو مال المسلمين جميعًا، جُعِلوا عليه أُمَناءَ، يتصرفونَ فيه بما قررته الشريعة، قال الدردير -رحمه الله-: "بَيْت مَالِ المسلمين يُصرَفُ... (..لمصالح المسلمين، مِنْ جِهَادٍ) يُشْتَرَى خَيْلٌ وَسِلَاحٌ وَيُعْطَى لِلْعَسْكَرِ ما يُنْفِقُونَهُ فِي سَفَرِهِمْ أَوْ رِبَاطِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ (و) مِنْ (قَضَاءِ دَيْنِ مُعْسِرٍ وتجهيز ميت) لا مال لهُ (وإعَانَةِ مُحْتَاجٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) وَهُمْ أَوْلَى مِنْ غَيْرهم لا سيّما المنقطعين لقراءته وتدوينه، وللإفتاء والقضاء ونحو ذلك (وَغَيْرِهِمْ) مِنْ كُلِّ محتاجٍ ويَتِيمٍ وأَرْمَلَ، وتزْوِيجِ أعزَبَ وإعانة حاجٍّ، (وَ) مِنْ (مَسَاجِدَ وَقَنَاطِرَ ونحوِها) كَحِصْنٍ، وَسُورٍ، وسُفُنٍ، وَعَقْلِ جِرَاحٍ، وعِمَارَةِ ثُغُورٍ" [الشرح الصغير: 1/362].

عليه؛ فإنّ المتضررين إنْ كانوا قد أصابهم الضررُ على وجهٍ أفضى بهم إلى الفقر والحاجة، كمن هُدم مسكنهُ وبقي بلا مسكنٍ ونحو ذلك؛ فيُعطَون من بيت المال على جهةِ الإعانة وسدّ الضرورة، لا على جهةِ الضمانِ عن جنايات القذافي؛ لأنّ لهم في بيت المال حقًّا من حيثُ الفقر والحاجة.

أمّا إن لم يكونوا فقراء، فتلك مصيبةٌ نزلتْ بهم، يُؤجَرون على الصبر عليها، ولا يُضمَّن بها بيتُ مال المسلمين، والتعويضُ الواجبُ لهم إنّما يكون مِن أموال القذافي إن وُجدت، ويكون التقويم حينئذٍ على أساسِ أسعار يوم التعدّي لا يوم الحكم، قال الدردير -رحمه الله-: "(فَإِنْ أَفَاتَ الْمَقْصُودَ) مِمَّا تَعَدَّى عَلَيْهِ... (فَلَهُ) أَيْ لِلْمَالِكِ (أَخْذُهُ وَنَقْصُهُ... أَوْ قِيمَتُهُ) سَلِيمًا ‌يَوْمَ ‌التَّعَدِّي" [الشرح الكبير: 3/460]، فيأخذ المتضررُ أنقاض مبناه مع ما نقصه الهدم من قيمته، قال الخرشي -رحمه الله- فيمن هَدَم دار غيره تعديا: "فَلِلْمُسْتَحِقِّ النُّقْضُ وَقِيمَةُ الْهَدْمِ، أَيْ قِيمَةُ مَا نَقَصَهُ الْهَدْمُ... فَيُقَالُ: مَا قِيمَةُ الدَّارِ لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً؟ فَيُقَالُ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَمَا قِيمَتُهَا الْآنَ عَلَى حَالِهَا؟ فَيُقَالُ: خَمْسَةٌ مَثَلًا، فَقَدْ نَقَصَ الْهَدْمُ عَشَرَةً، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهَا" [شرح الخرشي: /156].

والواجب على الحكومة أن تدفع التعويضات التي تم بها الحكم من ممتلكات القذافي في الخارج وحساباته، ومنها شركاته الاستثمارية، وحسابات من كانوا يقاتلون معه، ومِن ممتلكاتهم بالداخل، فهي التي يجب عليها تنفيذ الأحكام ورفع الظلم عن المتضررين، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لجنة الفتوى بدار الإفتاء

عبد الرحمن بن حسين قدوع

عصام بن علي الخمري

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

06/شعبان/1447هـ

25/01/2026 م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16196