حكم الطلاق الواقع بعد رجعة بالفعل دون نية
السؤال: أنا (أ خ ز)، منذ تزوجتُ وأنا لديّ مشاكل كثيرة في بيتي مع زوجتي، غالبًا ما تصلُ إلى السّبِّ والشتمِ والتكسير، وتدخل هي في حالة غير سويّة، وخاصةً في المناسبات، وفي عطلةِ الخميس والجمعة، حتى سبّب هذا أمراضًا في بعضِ أولادي في سنٍّ مبكرة، واختلفنا مرةً فاستفزتني بكلامِها السيء، فقلت لها: "أنتِ طالق"، ثم ذهبنا بعدَها للشيخ أحمد قدور رحمه الله، فأرجعتُها في عدتها.
وبعد فترة حصلَ خلافٌ كبيرٌ بيننا، وطلبتُ منها ألَّا تخرجَ من البيت، فحلفتُ عليها بقولي: "إن خرجتِ فأنت طالق"، وخرجَتْ بالفعل، ثم اتجهتُ لبعض المشايخ فردَّ عليّ بعد عشرينَ يومًا، وقال: عليكَ إخراج كفارة يمين، ففعلتُ، ورجعتُ إلى بيتي، وأكملنا حياتنا بشكلٍ طبيعيّ.
وبعد زمنٍ حصلت مشاكلُ أخرى، وكنا راجعين من السفر، فاستفزتني بكلام مُسيء، فقلتُ لها في حالةِ غضبٍ وانفعالٍ شديد: "تحرمي عليّ"، فذهبتُ لذات الشيخ السابق فألزمني بكفارة يمين أيضًا، ثم ذهبتُ لبعض مشايخ الدار، فأرشدني إلى ضرورة العلاج بالرقيةِ؛ لأنّ وضعنَا غير طبيعي، وحاولتُ العلاج لي ولها، غيرَ أنها رافضة، وتزعمُ أنها سليمة، رغم أنّ وضع البيت منذُ سنواتٍ غير طبيعي، فما حكم الطلاق في هذه الوقائعِ السابقة؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ الطلاق يقع باللفظ الصريح، كما هو في الطلاق الأول الذي أوقعه السائل، والطّلاق المعلّق يقع بحصول الأمر المعلَّق عليه، عند جماهير أهل العلم، من المذاهب الأربعة وغيرها؛ لما جاء عن نافع رحمه الله أنّه قال: "طَلّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتّةَ إِنْ خَرَجَتْ، فَقَالَ ابْنُ عُمَر رضي الله عنهما: (إِنْ خَرَجَتْ، فَقَدْ بُتّتْ مِنْهُ، وَإِن لَمْ تَخْرُجْ، فَلَيْسَ بشَيْءٍ) [البخاري معلّقا: 7/45].
وإذا طلق الزوج زوجته الطلاق الرجعي؛ جاز له إرجاعها، ما لم تخرجْ من عدتها، بأن يقول لها: "أرجعتكِ إلى عصمتي" أو نحو ذلك، أو أن يباشرها بنية الرجعة.
فالطلاق الثاني المعلق على خروج المرأة من البيت قد وقع على الزوج، ولا ينفعه في ذلك كفارة يمين ولا غيرها.
فإن باشر الزوجُ زوجته في العدّة دون نية لإرجاعها كما هو الحال في الطلاق الثاني، لم يعدّ فعلهُ رجعة، قال الخرشي رحمه الله: "... الرَّجْعَةُ لَا تَحْصُلُ بِفِعْلٍ مُجَرَّدٍ عَنْ نِيَّةِ الرَّجْعَةِ وَلَوْ بِأَقْوَى الْأَفْعَالِ كَوَطْءٍ وَأَحْرَى قُبْلَةٌ وَلَمْسٌ" [الخرشي: 4/81]، ثم إن طلّقها الزوج بعد ذلك طلقة أخرى -كما فعل السائل في قوله لها تحرمي عليّ- حسبتْ عليه، وتكون طلقةً ثالثة بائنة؛ مراعاة للقول بحصول الرجعة بمجرّد الوطء، قال البناني رحمه الله: "وَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ الطَّلَاقِ اللَّاحِقِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَائِنًا؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِلُحُوقِهِ هُوَ أَبُو عِمْرَانَ، وَقَدْ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ كَالطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَهَذَا بَائِنٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجْعِيًّا لَلَزِمَ إقْرَارُهُ عَلَى الرَّجْعَةِ الْأُولَى وَالْمَشْهُورُ بُطْلَانُهَا" [منح الجليل: 4/182].
وعليه؛ فقد استنفدَ الزوجُ طلقاتهِ الثلاث، بإيقاعه الطلاقَ الأول صريحًا وإرجاعها، وتعليقهِ الطلاق في المرة الثانية على خروجها، وحصول المعلقِ عليه، ثم استرساله على زوجته دون رجعةٍ حتى أوقع الطلاقَ الثالثَ بلفظ التحريم، عملًا بقول أبي عمران رحمه الله بلحوقِ الطلاق التالي بناء على حصول الرجعة بالوطء، وبهذا بانت الزوجةُ من زوجها بينونةً كبرى، فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره.
وما ذكره من السحرِ والحاجة للعلاج؛ لا يؤثر على وقوع الطلاق، ما لم يفقدْ بسببه الزوج وعيَه حين الطلاقِ فيطلق دونَ وعي، أو يطلق مُكْرَهًا بسببِ السحر، وهو ما لم يحصلْ مع الزوج في إفادته حين سُئل، فيلزمُه الطلاق.
ومما ينبغي أن يَتَنَبَّهَ إليه الأزواج الذين يُطَلِّقُونَ؛ ألَّا يتعلقوا بعد وقوع الطلاق منهم في هذا الميثاق الغليظ وعصمةِ الزواج المقدّسة، بالبحث عن مشايخ يُحَلِّلُون لهم الحرام، بفتاوى شاذة، ابتغاءَ الشُّهرة، أو مُقابلَ مالٍ يعطونه لهم، فالفتوى بالمال لا تحلّ ممن يحترفونها من الشيوخ بأقوال ضعيفة، أو لا يصحّ تنزيلها على موضع السؤال، لأنه من الاشتراء بآيات الله ثمنا قليلا، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عصام بن علي الخمري
يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
مفتي عام ليبيا
08//محرم//1448هـ
23//06//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16178
