رفع الصوت في المساجد والتحدث فيها عن أمور الدنيا
السؤال: نرجو منكم نصح الذين يرفعون أصواتهم في المسجد، ويتحدثون عن أمور الدنيا؛ لأنهم يؤذون المسلمين.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالمساجد هي بيوت الله تعالى خصها لنفسه سبحانه، فقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]، وجعلها للعبادة والذكر لا لغير ذلك من أمور الدنيا، فقال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِرِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 36-37].
وقد زجر النبي صلى الله عليه وسلم رَجُلًا نَشَدَ ضالةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ له: (لَا وَجَدْتَ! إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ) [مسلم: 569].
ورفع الصوت في المسجد حتى بالقرآن منهيٌّ عنه، ففي الموطأ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيهِ بِهِ، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ) [الموطأ: 29]، قال أبو الوليد الباجي رحمه الله: "وَإِذَا كَانَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَمْنُوعًا حِينَئِذٍ؛ لأذية الْمُصَلِّينَ، فَبِأَنْ يُمْنَعَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْحَدِيثِ، وَغَيْرِهِ، أَوْلَى وَأَحْرَى... وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا بِالْمَسَاجِدِ، واطراحًا لِتَوْقِيرِهَا، وَتَنْزِيهِهَا الْوَاجِبِ، وَإِفْرَادِهَا لِمَا بُنِيَتْ لَهُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ الْعَظِيمُ: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾" [المنتقى: 1/ 150].
وقال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لرجلين علا حديثهما في المسجد: "مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم!" [البخاري: 458].
فالواجب على كلِّ مسلم أن يُعظِّم الله تعالى في بيته، وألا يبقى في المسجد إلَّا للعبادة وذكر الله تعالى، وأنْ يُنزِّه المسجدَ عن مجالسة الناسِ للكلام المتعلق بالدنيا، وعن أي شيءٍ لا يرضِي اللهَ ورسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
7/ ذو الحجة/ 1447هـ
24/ 5/ 2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16145
