ردم مقبرة ضيقة
السؤال: نحن - سكانَ منطقة ص - نسألُ عن حكم ردمِ مقبرة المنطقة، التي امتلأتْ عن آخرها، وما وُجِد من مساحة فارغةٍ فالدفنُ فيها غيرُ ممكنٍ؛ لاحتوائها على صخور ضخمةٍ صلبة، والدفن في منطقة أخرى من بني وليد صعبٌ؛ فلكل قبيلةٍ مقبرةٌ خاصة بها.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالأصلُ أن لا يُتصرّف في المقبرة بأيّ نوعٍ من أنواع التّصرّف؛ لأنّ القبر حبسٌ على صاحبه، ما دامَ به شيءٌ من عظامِه غير عَجْب الذَّنَب، قال ابن الحاج رحمه الله: "وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ رَحْمَةُ اللَهِ عَلَيْهِمْ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَقْفٌ عَلَيْهِ، مَا دَامَ شَيْءٌ مِنْهُ مَوْجُودًا فِيهِ، حَتَّى يَفْنَى، فَإِنْ فَنِيَ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ دَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ، فَإِنْ بَقِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عِظَامهِ فَالْحُرْمَةُ بَاقِيَةٌ لِجَمِيعِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْفَرَ عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَلَا يُكْشَفَ عَنْهُ اتِّفَاقًا" [المدخل: 2/18-19]، وقال الدّردير رحمه الله: "(وَلَا يُنْبَشُ) أَيْ يَحْرُمُ (مَا دَامَ) الْمَيِّتُ أَيْ مُدَّةَ ظَنِّ دَوَامِ شَيْءٍ مِنْ عِظَامِهِ غَيْرَ عَجْبِ الذَّنَبِ بِهِ "[الشرح الكبير: 1/428]؛ ولأنّ فيه إيذاءً للأمواتِ، فقد صحّ عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (كَسْرُ عَظْمِ المَيّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا) [أبو داود: 3207].
عليه؛ فإن تحققتمْ مِن فناءِ عظامِ الموتى، وأنها صارت ترابًا، واستعنتمْ في ذلكَ بأهلِ الخبرةِ والمعرفةِ، جازَ لكم حينئذٍ الدّفنُ في الأجزاء القديمة التي بليتْ عظامها من المقبرة، دون حاجةٍ إلى ردمِها، وللتحقق من ذلك؛ يمكن تكليفُ أهل المعرفة والخبرةِ بنبشِ بعضِ القبور، في الجزءِ الذي مضى على انقطاع الدفن فيه المدّةُ الطويلة، فإن تبينَ فناءُ ما في القبور من الأموات، جاز لكم الدفن فيها من جديد.
وإن تبيّنَ أَنّ العِظَامَ ما تزال في القبر، فلا يجوز نبشُ القبر والدفن في موضعه، ولا ردمه بالتراب للدفن فيه.
ويمكنكم للاستفادةِ مِن الْمَقْبَرَةِ - إذا تبين عدم فناء عظام قبورها - تغطيةُ القبور بطبقةٍ من الخرسانةِ المسلَّحة، قائمةٍ على قواعدَ تُحفرُ في كلّ مسافةٍ من المقبرة، تُحمل عليها الخرسانات، ثم تُردم الخرساناتُ بمستوًى من التّراب، يصلح للدفن داخله، هذه هي الطّريقة الّتي يكون بها الرّدم، إنْ أردتم أنْ تستفيدوا من المقبرة بالدفنِ فوق القبور التي لم تبل عظامها، بحيثُ تحفظُ حرمةُ هذه القبور.
وأما تخصيص الدفن في المقبرة بأهل منطقة معينة أو قبيلة معينة دون غيرها، فهذا يُرجع فيه إلى شرط الواقف لأرض المقبرة، فشرطُ الواقف كشرط الشارع، وفاء بشرطه، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
02//ذو الحجة//1447هـ
19//05//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16144
