تعدد المشترين لأرض بعقد واحد وثمن واحد دون تفصيل في حصة كل شريك
السؤال: نرجُو منكم بيانَ طريقة قسمةِ الأرضِ المذكورة في الوثيقة المرفقةِ لديكم، حيثُ ورد فيها: أن الحاج (د ع ب) قد اشترى هو وأبناء أخيه (ع، س، ع) الأرض المذكورة بحدودها في عقد واحد وثمن واحد مذكور، دون تحديد لقدر المال الذي ساهم به كل واحد منهم، ولا بيان حظ كل واحد منهم في الأرض، ولا طريقة قسمتها، وهي مؤرخة بعام 1189 هجرية، فكيف تقسم هذه الأرض بين المذكورين؟ علمًا أنها لا تزالُ في ملكِ أحفاد المذكورين جميعًا، يشتركون فيها على الشيوع، وينتفعون منها جميعًا.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ الأرضَ المملوكةَ لعددٍ من الناس على الشيوع، يشتركون فيها دونَ معرفة نصيبِ كلّ واحدٍ منهم، ولا المال الذي دفعه كلُّ شريك، ولا بينةَ تدلّ على قسمتها بينهم بوجهٍ من الوجوه، فإنهم إن ادعى أحد منهم أو بعضهم قدرا محدّدا، ووافقه الآخرون، عُمل عليه، وإذا لم يدَّعِ أحدٌ قدْرًا مُحَدَّدًا، فعليهم أن يتوافقوا ويتصالحوا، ويحتاط كل طرف منهم لنفسه بما يُبرئ ذمّته من أخذ ما لا حقّ له فيه، فقد وردَ عن أمّ سلمةَ رضي الله عنها أنها قالت: "جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ قَدْ درسَ عَلَيْهَا، وَهَلَكَ مَنْ يَعْرِفُهَا، فَقَال صلى لله عليه وسلم: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَقْضِي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ شَيْءٌ بِرَأْيِي، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ شَيْئًا مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا يَقْتَطِعُ إِسْطَامًا مِنْ نَارٍ"، قَالَ: فَبَكَيَا، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَقِّي لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ صلى الله عليهو سلم: (اذْهَبَا فَاقْسِمَا، وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لِيُحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ) [السنن الكبرى للبيهقي: 21244].
فإن تنازعوا فيما بينهم، وادَّعَى كلٌّ منهم نصيبًا خالفه فيه غيرُه، فإنّ مِلْكَ الأرض بينهم يُحْمَلُ على التساوي في الشركة، فتُقْسَمُ على أصولهم بالتساوي؛ لأنه الأصل في الشركة، قال ابن الحاجب رحمه الله: " وَإِذَا تنازَعَا في قَدْرِ الْمَالَيْنِ حُملَ على النِّصْفِ" [جامع الأمهات: 394].
عليه؛ فالواجب على ورثة المشتَرِينَ -المذكورين في السؤال- أن يتوخّوا الحقّ، بأن يعملُوا بما تحقق لديهم من البينات والقرائنِ، وما سمعوه من آبائهم، وما اشتهر لديهم في قسمة هذه الأرضِ بناءً على حقِّ كُلِّ مُشْتَرٍ فيها، فإن لم يكنْ لديهم بينة ولا قرينةٌ يبنون عليها تصرفهم؛ فعليهم المصيرُ إلى التصالح والتراضي، بقسمة الأرض بين المشترين الشركاء بالسويّة، ويتحلّلون من بعضهم بهذا التصالح، فإن تنازعوا ولم يتصالحوا قُسمت الأرضُ بينهم بالتساوي.
ثم يقوم ورثة كلِّ شريك من هؤلاء الشركاء، بقسمة النصيب الذي ينوبُ مُوَرِّثَهم، حسبَ الفريضة الشرعية، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
16//ذو القعدة//1447هـ
04//05//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16087
