رضا العصبة بالعفو في قضية قتل عمد
السؤال: حصلت حادثة قتل عن عمد، وطالب أبو المقتول بالقصاص، ولم يزل رافضًا للعفو والتنازلِ حتى توفي رحمه الله، ويسعى الآن بعض أهل الخير في الإصلاح بين الطرفين، ويرغبُ ورثةُ المقتول من إخوته وغيرهم من قرابته في الدخولِ في الصلح، فهل يُعَدّ التزامهم برأي أبيهم واجبًا عليهم، أو يجوز لهم مخالفة رأيه بالصلح والتنازل؟ وهل يرجى وصولُ أجرِ العفو إلى وَالِدَيِ المقتولِ المتوفَّيَيْنِ؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ القِصاصَ أو العفوَ عن القاتل حقٌّ أثبتته الشريعة لأولياء دمِ المقتول، الذين هم أقربُ العَصَبَةِ الذكور إليه، ويُقَدَّمُ الأقربُ منهم فالأقرب، على الترتيب المعروف في ولاية النكاح، إلّا في الجدّ والإخوة، فيستوون في المرتبة، فَيُقَدَّمُ ابْنُ المقتول، ثم ابنُ ابْنِهِ، ثم أبوه، ثم الجد والإخوة معًا، ثم العم، ثم ابن العم، ولا كلام للأبعد مع وجود الأقرب، قال ابن الحاجب رحمه الله: "وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ لِأَقْرَبِ الْوَرَثَةِ الْعَصَبَةِ الذُّكُورِ" [جامع الأمهات: 496]، وقال خليل رحمه الله: "أي: اسْتِيفَاءُ النَّفْسِ دونَ الجِرَاحِ، ويدلُّ عَلَيْهِ قولُهُ: (لأقْرَبِ الْوَرَثَةِ) لِأَنَّ حَقَّ الوَارِثِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وقولُهُ: (لأَقْرَبِ الْوَرَثَةِ) أيْ: فَلَا يَكُونُ للأَبْعَدِ حَقٌّ مَعَ الأَقْرَبِ" [التوضيح: 8/100].
فإنْ مَاتَ صاحبُ الحق في الاستيفاء، تَنَزَّلَ ورثتُهُ مَنْزِلَتَهُ، فيرثونَ حقَّ الاستيفاء كما يرثونَ المال، ويدخل في ذلك الوارثاتُ من الإناث أيضًا، ولا يختص ذلك بالعصبة، كما هو الحال في استحقاق الاستيفاء أوّلًا، قال الدردير رحمه الله: "(وَإِرْثُهُ) أَيْ: القِصَاصِ (كَالْمَالِ) أي: كَإِرْثِ الْمَالِ، لا كالاستيفَاءِ، فإذا ماتَ وَلِيُّ الدَّمِ فَيُنَزَّلُ ورثَتُهُ منزلِتَهُ من غير خُصُوصِيَّةٍ للعَصَبَةِ منهمْ علَى ذَوِي الفُرُوضِ، فَيَرِثُهُ البَنَاتُ، والأمهَاتُ، وَيَكُونُ لهمُ العفوُ والقِصَاصُ، كَمَا لَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ عَصَبَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ وَرِثُوهُ عَمَّنْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ القَاسِمِ، نَعَمْ لَا دَخْلَ فِي ذَلِكَ لِزَوْجَةِ وَلِيِّ الدَّمِ وَلَا لِزَوْجِ مَنْ لَهَا كَلَامٌ" [الشرح الكبير: 4/262].
وعليه؛ فإنه متى توفي صاحبُ الحق في طلب القصاص، الذي هو والد المقتول، تنزَّل ورثتُه منزلتَه، وورثوا عنه هذا الحقَّ كما يرثونَ سائر تركته، فيجوز لهم رجالا ونساء - حسَب الفريضة الشرعية - أن يعفوا عن القاتل، ويتصالحوا معه على مبلغ من المال يدفعه لهم، فيقتسمونه حسب الفريضة الشرعية، ويجوز لهم العفو عنه مجانًا، وليس في مخالفتهم لرأي أبيهم الذي كان يطالب بالقصاص ومات قبل الاستيفاء حرَج؛ لأنهم صاروا بوفاته أصحابَ الحق مِن بعده، ولا تعدّ مخالفتهم لأبيهم في هذا الشأن عقوقا.
وحيث عفوا عن القاتل وتنازلوا عن طلبِ القِصاص؛ فيُرجى لهم مِن الله تعالى ثوابُ العفو، فقد قال تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ)[الشورى: 40]، ويرجى لوالديهم أيضا حصول الثوابِ بهذا العفو، وبكل خير يُجْرِيهِ الله تعالى على أيدي أولادهم، إذ الآباء سببٌ من أسبابِ غرس هذا الخير في أولادهم وتنشئتهم عليه، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
11//ذو القعدة//1447هـ
28//04//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16079
