التنازل عن الدية من الولي، والمصالحة عليها بالتأمين
السؤال: أنا المواطن (م س ك)، توفي أخي الشقيق (ر س ك) في حادث سير، حيث صدمته سيارة منحرفة من الطريق الأخرى، وترك ابنًا عمرُه أربع سنوات، فهل يجوز لوكيل القصر التنازل عن الدية؟ وهل الدية تسقط بعدم وجود العاقلة؟ وهل تبقى في ذمة الجاني يتبع بها؟ وما حكم الاكتفاء بأخذ التأمين الإجباري؟ وما حكم التأمين على المركبات من السرقة، أو الاحتراق، والتأمين على المنازل، والأرواح؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فليس لولي القصّر التنازل عن الدية، إلّا إذا كان الوليّ وارثًا؛ فله التنازل عن حقه منها فقط لا عن حق القصّر، وعليه أن يتمسك لهم بالدية كاملة.
لكن إذا كان القصّر محتاجين، أو خيفَ عدم حصولهم على شيء؛ فإنّ للولي أن يصالح عنهم بأقلّ من الدية، نقل ابن أبي زيد عن أشهب رحمه الله قال: "وَأَمَّا إِن كَانَتِ الدِّيَةُ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ في سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، فَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَعَجَّلَ مِنَ الْعَاقِلَةِ لِلصَّبِيِّ مَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ وَفِيهِ لَهُ مَصْلَحَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَبْلَغَ الدِّيَةِ إِذَا خِيفَ فِي اتِّبَاعِهِم بِهِ ضَيَاعُ ذَلِك، وَإِن كَانَتِ الْعَاقِلَةُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَبَقَاؤُهُ عَلَيْهِمْ كَامِلاً مُؤَجَّلاً أَحْظَى لِلصَّبِي لَمْ يَجُزِ الصُّلْحُ" [النّوادر والزّيادات: 14/114].
والأصلُ أن الدية على عاقلة الجاني؛ وهم العصبة – عائلته وقبيلته – أو الديوان؛ وهم موظفو الوزارة أو النقابة التي يتبعها؛ قال ابن الحاجب رحمه الله: "والدية على العاقلة إذا كانت خطأ أو في حكمه… وهي العصبة، وألحق بها أهل الديوان لعلة التناصر" [جامع الأمهات: 505]، والعاقلة تلزمهم الدية شرعًا، فإن امتنعوا أو لم توجد العاقلة أصلا؛ فالدية في بيت المال، فإن لم يوجد بيتُ مالٍ يؤدي الدية؛ وجبت في مال الجاني وحدَه إنْ قدر عليها، وإلا أُخذ منه ما قدر عليه، قال التّسوليّ رحمه الله: "فِي نَوَازِل العَلَمِي أَنه لَا عَاقِلَة فِي هَذَا الزَّمَان، وَلَا يُمكن الْوُصُول لبيت المَال، فَالدِّيَة فِي مَال الْجَانِي" [البهجة في شرح التحفة: 624/2]، وقال اللخمي رحمه الله: "فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ لَا يُسْتَطَاعُ التَّنّاوُلُ مِنْهُ بَقِيَتْ جَرِيرَتُهُ عَلَيْهِ" [التبصرة: 6420/13].
فإن كان الجاني معسرًا كانتِ الديةُ في ذمته، يتبع بها، ويكون بذلك غارمًا، يجوز له الأخذُ من مال الزكاة كالغارمين، قال الدردير رحمه الله في مصارف الزكاة: "(ومدين) يعطى منها ما يوفي به دينه (يحبس) أي شأنه أن يحبس (فيه) فيدخل... الدين على المعسر" [الشرح الكبير: 1/497].
والتعويضُ المدفوع من قبل التأمين التجاري المبني على الغرر ليس بطيّب؛ ولا يجوز أخذ شيء منه، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر [مسلم:1513]، وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 9(9/2): "… أَنَّ عَقدَ التَّأمِينِ التِّجَارِي ذِي القِسْطِ الثَّابِتِ الذِي تَتَعامَلُ بِهِ شَرِكاتُ التَّأمِينِ التِّجَارِي عَقدٌ فِيهِ غَررٌ كَبيرٌ مُفْسِدٌ لِلْعَقدِ، وَلِذَا فَهْوَ حَرامٌ شَرْعًا".
وكان التأمين التجاري محرَّما من عقود الغرر؛ لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف في وقت العقد مقدارَ ما يعطي وما يأخذ، فهو من المقامرة التي حرمها الله عز وجل.
ووليُّ الدم إنْ أخذ شيئا من هذا التأمين نظير الدية؛ فعليه أن يتخلّص منه في مصالح المسلمين العامّة، وله بعد ذلك أن يرجع على أهل الجاني بالدية.
وهناك تأمين يسمى التأمين التكافلي، مبني على التبرع بحسَب الرغبة، لا على وجه الإلزام؛ وهو جائز، ويجوز أخذه نظيرَ شيءٍ من الدية، بخلاف التأمين التجاري.
أما التأمينُ على الأرواح فلا يجوزُ بحال؛ لأنّه عقدٌ على غيب مجهولٍ، الغررُ فيه أشدُّ، فلا يُعلم متى يحين الأجل لا بالعادة ولا بالقرائن، والموت، يأتي بغتة، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
26/شوال/1447هـ
14/ 4/ 2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16059
