مناقلة أرض وقف لعدم وجود طريق لها
السؤال: توفي والدي (ش أ ع)، وتركَ أرضًا كبيرةً، وكان قد أوصى بأرضٍ صغيرةٍ فيها لا تبلغ ثلثها أنْ تكون صدقةً جارية، كما هو مرفقٌ في الوثيقة، تقع هذه الأرض بجوار بيت العائلة، وليس لها طريق يؤدي إليها، ورفض باقي الورثة (أخواتي) الإذن لي بفتح طريق حتى أصل من خلالها إلى هذه الأرض، فأقوم بزراعتها والتصدق من ريعها باعتباري الابن الوحيد، فهل يجوز لنا مناقلة الأرض واستبدالها بأرض أخرى؟ وهل يصح اعتباري ناظرًا على الوقف ولو لم يوصني بذلكَ والدِي؟
جاء في الوثيقة: "حضر لدينا الحاج (ش أ ع) المقيم بالقره بوللي المحلة الشرقية، وهو بكامل قواه الصحية والعقلية والمالك لقطعة الأرض بالمحلة المذكورة... –ذكر حدودها- جعلها (ش) صدقة جارية لا تباع ولا تشترى ولا تناقل، تستغل وتؤجر، وريعها ودخلها يُنفق على الفقراء والمساكين وطلبة القرآن الكريم وبيوت الله المساجد، ومن بدلها أو غيرها فالله حسيبه... التوقيع: المالك والموصي: (ش أ ع)... توقيع الشاهدين: ...".
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن الوصية بالأرض - كما هو مذكور في الوثيقة - من الوقف الصحيح، الذي يلزم الورثةَ إنفاذه، والأصلُ أن لا يُتصرفَ في أرضِ الوقف، بأيٍّ مِن أوجهِ التصرفِ التي تُذهب عينها، إلا إذا خيفَ عليها الضياع، ولم يمكن الانتفاعُ بها على الوجهِ الذي حدده الواقف، أو تضرر منها المحيطون بها، أو كان في استبداله غبطة للوقف ترفع من قيمته، فتستبدل بأرضٍ أخرى أفضلَ منها؛ لقوله : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرارَ) [ابن ماجه: 2331]، وفي المعيار عن ابن رشد ، أنه سئل عن حكم معاوضة أرض غامرة تابعة لمسجد، فأجاب: "إِنْ كَانَتِ الْقِطعَةُ مِنَ الأرضِ الْمُحَبّسةِ قَدِ انْقَطَعَتْ مَنْفَعَتُهَا جُمْلَةً، وَعَجزَ عَنْ عِمَارَتِهَا، فَلَا بَأْسَ بِالْمُعَاوَضَةِ فِيهَا بِمَكَانٍ يَكُونُ حُبسًا مَكَانَهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِحُكْمٍ مِنَ الْقَاضِي بَعْدَ ثُبُوتِ ذَلِكَ السَّبَبِ، وَالْغِبْطَةِ فِي الْعِوَضِ، وَيُسَجِّلُ ذَلِكَ وَيُشْهِدُ بِهِ" [المعيار المعرب: 7/138].
وأما تعيين الناظر على الوقف، فإنْ عيَّنَ الواقفُ أحدًا، اتُّبِعَ شرطه ولزم، وإن لم يعينْ حتى مات، فيتولى النظارةَ وصيُّ الواقف، فإن لم يكن له وصيّ فالقاضي هو الذي يُعَيِّنُ مَن يصلح للنظارة، من أهل الدين والأمانة والكفاءة، قال الدردير : "(وَاتُّبِعَ) وُجُوباً (شَرْطُهُ) أَيِ الْوَاقِفِ (إِنْ جَازَ كَتَخْصِيصِ مَذْهَبٍ أَوْ نَاظِرٍ) مُعَيَّنٍ"، قال الدسوقي : "أَيْ بِأَنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ نَاظِرَ وَقْفِهِ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ لَهُ الْإِيصَاءُ بِالنَّظَرِ لِغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الْوَاقِفُ ذَلِكَ وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إيصَاءٌ بِهِ فَإِنْ مَاتَ النَّاظِرُ - وَالْوَاقِفُ حَيٌّ - جَعَلَ النَّظَرَ لِمَنْ شَاءَ فَإِنْ مَاتَ فَوَصِيُّهُ إنْ وُجِدَ، وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ" [حاشية الدسوقي: 4/88]، فإن عُدم القاضي جاز لجماعة المسلمين من أهل الخير والصلاح أن يقوموا مقامه، وينصبوا ناظرًا يتولى أمر الوقف، لأنَّ جماعة المسلمين تقوم مقام الحاكم عند تعذره. [فتح العلي المالك: 2/242].
وعليه؛ فالابن المذكور لا يكون ناظرا من تلقاء نفسه، وعليهم أن يرفعوا أمرهم إلى القاضي ليعين ناظرا.
ثمَّ بعد تولي الناظر الشرعيّ إذا رأى أن أرض الوقف عديمة الجدوى؛ لعدم وجود طريق إليها، وأنَّ من المصلحة مناقلتَها بغيرها، فله ذلك، ويكون بمعرفة القاضي، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عصام بن علي الخمري
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
06//شوال//1447هـ
25//03//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16052
