طلاق من سب الله
السؤال: ما حكمُ مَن سبَّ الله عز وجل؟ وهل يفسخُ عقد زواجه؟ وما الواجبُ شرعًا على زوجتهِ إذا كانَ ينكرُ السَّبّ؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فلا شكّ أنّ سبَّ الله تبارك وتعالى، وسبَّ الدين، رِدةٌ عن دينِ الإسلام، وخروجٌ من الملة -عياذًا بالله- قال القاضي عياض رحمه الله: "لَا خِلَافَ أَنَّ سَابّ اللهِ تَعَالَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافِرٌ، حَلَالُ الدَّمِ" [الشفا: 2/270]، وقال ابن راهويه رحمه الله: " وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ سَبّ الله عزو جل، أَوْ سَبَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم … وَهْوَ مَعَ ذَلِكَ مُقِرٌّ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَنَّهُ كَافِرٌ" [التمهيد: 4/226]، ولقد استفاضَ النقلُ عن العلماء في كتبهم، أنّ سبَّ اللهِ والدينِ ردةٌ عن دين الإسلام.
وإذا تابَ الزوج وندمَ، ورجعَ مِن ردّته قبل انقضاء عدةِ زوجته؛ فلا يلزمُه طلاقٌ في هذه الحال، وهو باقٍ على نكاحه الأوّل، فإن لم يتب ويرجع إلى الإسلام حتى انقضت العدة، فقد لزمته طلقة بائنة، وهذا القول هو رواية عن الإمام مالك رحمه الله، وقول الشافعي رحمه الله، جاء في الجامع لابن يونس رحمه الله: "قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وإن ارتدَّ الزوجُ ثم عادَ إلي الإسلام في عدتها، فهو أحقُّ بها بالطلاق كله، ولو ثبتَ المرتدّ حتى انقضت عدتها لزمتهُ فيها طلقة" [الجامع لمسائل المدونة: 9/ 397]، وقال القاضي عبد الوهاب رحمه الله في مسألة انفساخ العقد بارتداد أحد الزوجين: "وذكر الشيخ أبو بكر عن مالك رواية أنه لا ينفسخُ إلا بخروجها من العدّة" [الإشراف على نكت مسائل الخلاف:2/710]، وقال الشافعي رحمه الله: "وَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَنِكَاحُ امْرَأَتِهِ مَوْقُوفٌ فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ رُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ" [الأم:7/167].
فإنْ أنكرَ الزوجُ أنه سبَّ الله عز وجل، ولم يكن للزوجة شهودٌ ولا بينة على دعواها، وهي متيقنةٌ مِن سبِّه؛ فعليها أنْ تمنعَه من نفسها، إلى أن يتوبَ إلى الله سبحانه، فإن تابَ في العدة مكنتهُ من نفسها إذْ لا طَلاق، وإن لم يتُبْ حتى انقضتِ العدةُ، فلا تمكنه مِن نفسِها إلا بعقد نكاح جديدٍ برضاها، وبصَداقٍ وشاهدين، فإن لم يفعلْ أو لم ترضَ بالرجوع إليه؛ فعليها أن تعملَ على التطليقِ منه بخلعٍ تدفعه له، وأن ترفعَ أمرها إلى القضاء للفصلِ في دعواها، قال الدردير رحمه الله: " (وَلَا تُمَكِّنُهُ) الْمُطَلَّقَةُ أَيْ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا (إنْ عَلِمَتْ بَيْنُونَتَهَا) مِنْهُ (وَلَا بَيِّنَةَ) لَهَا تُقِيمُهَا عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا (وَلَا تَتَزَيَّنُ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الزِّينَةُ (إلَّا) إذَا كَانَتْ (مُكْرَهَةً) بِالْقَتْلِ (وَتَخَلَّصَتْ مِنْهُ) وُجُوبًا (بِمَا أَمْكَنَ) مِنْ فِدَاءٍ أَوْ هُرُوبٍ"[الشرح الصغير: 2/592]، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
05//رمضان//1447هـ
23//02//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16036
