الاقتباس من القرآن العظيم في الكلام
السؤال: هل يجوز للإنسان أن يقتبس آية من القرآن العظيم، كأن يقول: (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين)، يقصدُ العزمَ الصادقَ وعدمَ التخاذل؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالواجبُ على كل مسلم أن يعظمَ كلام الله تعالى، ويقدسَه، في لفظهِ ومعانيهِ، وكتابِه وورقِه، وينزهَه عن كلّ ما لا يليقُ به؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 77-79]، وقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30].
واستعمال القرآن في غير المعنى الوارد فيه؛ لا يجوز شرعًا، وذلك كالاقتباس منه في فضول الكلام، وفي اللهوِ والمزاح، أو في الكلام الذي نسبَه اللهُ تعالى لنفسه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس: 12]، أو في استعماله استعمالَ الناس للأمثال الشعبية، للتندُّر والتفكُّه؛ لمَا فيه مِن منافاةِ التعظيم والتقديس المطلوب في القرآن العظيم.
أما الاستشهاد بالقرآن فيما يوافق معناه فلا حرج فيه، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله لما دخل خيبر: (اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ، قَالَهَا ثَلَاثًا) [البخاري: 371]، قال ابن عبد البر رحمه الله: "وفي هذا الحديثِ إباحةُ الاستشهادِ بالقرآن فيما يَحسُنُ ويَجْمُلُ" [التمهيد: 2/239]، وقال النفراوي رحمه الله: "وَحَقِيقَتُهُ أَنْ يُذْكَرَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ فِي كَلَامٍ لَا بِلَفْظِ: قَالَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ، بَلْ عَلَى وَجْهٍ يُتَوَهَّمُ مَعَهُ أَنَّهُ غَيْرُ قُرْآنٍ أَوْ حَدِيثٍ، وَيُغْتَفَرُ فِيهِ التَّغْيِيرُ الْيَسِيرُ لِنَحْوِ تَفْقِيهٍ" [الفواكه الدواني: 1/50].
لكن ينبغي ألا يكون هناك بُعْدٌ بين المعنى الذي دلت عليه الآية، وبين ما سيقت للاستشهاد به، كما هو الحال في السؤال الوارد من تعبير السائل عن عزمه، وعدم تردّده في القيام بأمرٍ ما، بقوله: (لا أبرحُ حتَّى أبلغَ مجمعَ البحرَيْنِ)؛ لأنَّ التساهلَ في هذا الأمر سيؤدي بالناس - حتمًا - إلى الوقوع في المحظور، مِن تجرؤِ الناس على كلام الله تعالى، والعبثِ به، وحمله على غير معانيه، وفهمِه على غير الوجه الصحيح، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عبد الرحمن بن حسين قدوع
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
04//رمضان//1447هـ
22//02//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16034
