تنازل مع إسقاط الميراث
السؤال: قام والدنا - رحمه الله - ببناء طابق فوق منزله؛ ليقيم فيه أحد أبنائه مع أسرته، ثم بعد مدة قام ببناء مسكن مستقل في حديقة البيت؛ ليقيم فيه ابنه الآخر مع أسرته، ثم قام والدنا بتحرير وثيقة، جاء فيها أنه تنازلَ وعلى سبيل الصدقة لابنه الأول عن الطابق الذي فوق منزله، ولابنه الآخر عن قطعة الأرض التي بنى عليها المنزل في الحديقة، ومساحتها 350 مترًا مربعًا، ونص في وثيقة التنازل على أن الدور الأرضي من منزله ملك له، يورَّث من بعده لبقية الورثة دونَ ابنَيه المذكورينِ في وثيقة التنازل، على أن يكون ما تنازل لهما عنه حصتَهما في ميراثه، ويجنبانِ الإرث في بقية أملاكه من عقاراتٍ ومزارعَ وأراضٍ، فهل هذا التنازل بصيغته المذكورة صحيح شرعًا؟ وهل كونُه على سبيل الصدقة، مع تجنيب المتنازل لهما عن الميراث في أملاك أخرى، يجعله جائزًا؟ وإن كان غير جائز؛ فما الطريق الشرعي الصحيح لتحقيق العدل بين الورثة، وَفق أحكام الشريعة الإسلامية، وإبراء ذمة المورِّث؟ علمًا أنّ بقية الورثة من الأبناء (غير المتنازل لهما) قد اقتسموا التركة في أرضٍ بيعتْ ووُزعَ ثمنُها عليهم.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ الهبة بشرط عدم الميراثِ باطلة، إذا كان الشرط مقارنًا للهبة أو وثيقتها؛ لأنها معاوضة في نظير مجهول، وهو حصة الموهوب له من الميراث، قال ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: "قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ بِصَدَقَةٍ عَلَى أَنْ قَطَعَ بِهَا مِيرَاثَهُ مِنْهُ، فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الصَّدَقَةِ، فَالصَّدَقَةُ بَاطِلَةٌ، وَإِن اسْتَثْنَى ذَلِكَ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَالصَّدَقَةُ مَاضِيَةٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ"[النوادر والزيادات: 12/219]، وحكمُ الصدقة والهبة واحدٌ في مثل هذه الشروط، قال التّسولي رحمه الله: "وَأَحْكَام الْهِبَة وَالصَّدَقَة سَوَاء إِلَّا فِي وَجْهَيْن؛ أَحدهمَا أَن الْهِبَة تعتصر دون الصَّدَقَة كَمَا يَأْتِي، وَالثَّانِي أَن الْهِبَة يجوز للْوَاهِب شراؤها وقبولها بِهِبَة بِخِلَاف الصَّدَقَة" [البهجة شرح التحفة: 2/394].
وعليه؛ فالتنازل الوارد في السؤال باطل، وكلٌّ من الطابق الأول والمنزل الذي بني على الحديقة ميراثٌ مِن حق جميع الورثة، كما أن للمتنازلِ لهما الحقّ في بقية التركة مِن أملاك المتنازِل، ومنها الأرضُ التي بيعت وحرمهم باقي الإخوة من ثمنها، فمِن حقِّ كلّ فريق المطالبةُ بنصيبه ممّا أخذَه الآخر، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد الرحمن بن حسين قدوع
عبد العالي بن امحمد الجمل
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
28//شعبان//1447هـ
16//02//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 16033
