ردم المقابر القديمة لامتلائها
السؤال: نحن في بلدية (س) نعاني من ضيق المقابر وامتلائها، لدرجة عدم وجود مساحات لدفن الموتى، وقد سبب هذا حرجًا شديدًا للأهالي الذين يحتاجون إلى دفن موتاهم في مقابر المنطقة، وربما تسبب ذلك في حصول خلافاتٍ ومشاحَنات، وعند النظر في هذه المقابر؛ نجد الكثير من القبور القديمة قد انهارت وتهالكَت، وليس فيها سوى حجارة، ولا وجود لعظام فيها، بل ربما اختفت معالم القبر نفسه، فهل يجوز الحفر في مكان هذه القبور، أم لا يجوز؟ وهل يجوز ردم القبور القديمة بالتراب بمقدارٍ يمكّننا من إنشاء طبقة لقبور جديدة، بدون فتح القبور القديمة، وإنما يكتفى بإزالة سنام القبر؟ وهل يجوز فتح القبور القديمة ونقل ما فيها من عظام قديمة إلى مكان آخر، ووضع جثمان جديد محلها؟ وهل يجوز تخصيص هذه المقابر لموتى المنطقة، ومنع غيرهم من الدفن فيها، بسبب عدم وجود مساحات داخل المقبرة، وأهل المنطقة أولى من غيرهم؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالأصلُ أن لا يُتصرّف في المقبرة بأيّ نوعٍ من أنواع التّصرّف؛ لأنّ القبر حبس على صاحبه، ما دامَ به شيءٌ من عظامِه غير عَجْب الذَنَب، قال ابن الحاج رحمه الله: "... وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ رَحْمَةُ اللَهِ عَلَيْهِمْ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَقْفٌ عَلَيْهِ، مَا دَامَ شَيْءٌ مِنْهُ مَوْجُودًا فِيهِ، حَتَّى يَفْنَى، فَإِنْ فَنِيَ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ دَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ، فَإِنْ بَقِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عِظَامهِ فَالْحُرْمَةُ بَاقِيَةٌ لِجَمِيعِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْفَرَ عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَلَا يُكْشَفَ عَنْهُ اتِّفَاقًا" [المدخل: 2/18-19]، وقال الدّردير رحمه الله: "(وَلَا يُنْبَشُ) أَيْ يَحْرُمُ (مَا دَامَ) الْمَيِّتُ أَيْ مُدَّةَ ظَنِّ دَوَامِ شَيْءٍ مِنْ عِظَامِهِ غَيْرَ عَجْبِ الذَّنَبِ (بِهِ)" [الشّرح الكبير: 1/428]، ولأنّ فيه إيذاءً للأمواتِ، فقد صحّ عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (كَسْرُ عَظْمِ المَيّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا) [أبو داود: 3207].
عليه؛ فإذا تحققتمْ مِن فناءِ عظامِ الموتى، وأنها صارتْ ترابًا، واستعنتُمْ في ذلكَ بأهلِ الخبرةِ والمعرفةِ؛ جازَ لكم حينئذٍ الدّفنُ في الأجزاء القديمة التي بَلِيَتْ عظامها من المقبرة، دون حاجةٍ إلى ردمِها، وللتحقق من ذلك؛ يمكن تكليف أهل المعرفة والخبرة بنبش بعض القبور، في الجزء الذي مضى على انقطاع الدفن فيه المدّةُ الطويلة، فإذا تبينَ فناءُ ما في القبور من الأموات؛ جاز لكم الدفن فيها من جديد.
وإذا تبيّنَ أَنّ العِظَامَ ما تزال في القبر، فلا يجوز نبش القبر والدفن في موضعه، ولا ردمه بالتراب للدفن فيه.
ويمكنكم للاستفادةِ مِن الْمَقْبَرَةِ - إذا تبين عدم فناء عظام قبورها - تغطيةُ القبور بطبقةٍ من الخرسانةِ المسلَّحة، قائمةٍ على قواعدَ تُحفرُ في كلّ مسافةٍ من المقبرة، تُحمل عليها الخرسانات، ثم تُردم الخرساناتُ بمستوًى من التّراب، يَتم الدفن فيه، هذه هي الطّريقة الّتي يكون بها الرّدم، إنْ أردتم أنْ تستفيدوا من المقبرة بالدفنِ فوق القبور التي لم تبل عظامها، بحيثُ تحفظُ حرمةُ هذه القبور.
والأصل في تخصيص المقبرة بأهل المنطقة أو تعميمها؛ أن يُرْجَعَ فيه إلى شرط الواقف لأرض المقبرة، فشرطُ الواقف كشرط الشارع، فإذا عمَّمها لجميع المسلمين؛ لم يجز لأحد المنع من الدفن فيها، وإذا خصصها بجهة أو منطقة؛ لم يجز الدفن فيها من غيرهم، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
عبد العالي بن امحمد الجمل
عصام بن علي الخمري
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
15//رجب//1447هـ
05//01//2026م
المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 15990
